لم يعد الحديث عن “أزمة العدالة” في الجزائر مجرد توصيف سياسي ترفعه المعارضة، أو شعار نضالي تردده المنظمات الحقوقية في المنابر الدولية؛ بل تحول إلى حقيقة مرعبة تفرضها لغة الأرقام، ومنطوق الأحكام، والوقائع المثبتة في سجلات المحاكم. إننا أمام مشهد قضائي يكشف عن اختلال عميق في ميزان العدالة، حيث تميل الكفة برحمة مريبة لصالح الفساد والجريمة المنظمة، بينما تهوي بقسوة غير مسبوقة لسحق العمل النقابي والدفاع عن الحقوق.

قضيتان حديثتان، موثقتان ومعلومتان للرأي العام، تكفيان لرسم صورة قاتمة لما آل إليه القضاء الجزائري في واحدة من أسوأ مراحله التاريخية: قضية “النصب الجماعي” في ولاية سطيف، ومأساة النقابي “علي معمري” في أم البواقي.

سطيف.. جناية “الإفلات من العقاب”

في ولاية سطيف، وقفت العدالة أمام اختبار أخلاقي وقانوني عسير، وسقطت فيه بامتياز. ملف ثقيل تضمن وقائع خطيرة عن شبكة نصب واحتيال منظمة، راح ضحيتها 76 مواطناً، بمبالغ مالية ضخمة قدرت رسمياً بـ 23 مليار سنتيم.

إعلان الشرطة حول قضية ح.ن متهمة بالنصب والإحتيال

لم تكن الجريمة مجرد جنحة بسيطة، بل عملية معقدة تضمنت استغلال نفوذ وعلاقات داخل مؤسسات عمومية، تزوير أختام رسمية، استدراج ضحايا بوعود استثمار وهمية، بل وتعدت ذلك إلى استخدام أساليب الاستغلال النفسي والشعوذة، مع شبهات قوية تحوم حول تبييض أموال وتصريف ذهب متحصل عليه من عائدات إجرامية.

ورغم فداحة الأفعال، وتعدد الضحايا، ووجود سوابق قضائية، جاء الحكم القضائي صادماً للضمير العام. حكم ابتدائي بخمس سنوات، خُفف بقدرة قادر إلى ثلاث سنوات، لينتهي المشهد بفصل عبثي، استفادة المتهمة الرئيسية من “عفو رئاسي” ومغادرتها السجن في وقت قياسي.

الأكثر صدمة، حسب شهادات متطابقة حضرت الجلسة، هو ما نُسب إلى القاضي أثناء الجلسة من عبارات من قبيل:

القانون لا يحمي المغفلين

عبارة – إن صحّت – لا تُهين الضحايا فقط، بل تنسف فلسفة العدالة ذاتها.

إن الكارثة لا تكمن فقط في الحكم المخفف، بل في ما تلاه، إذ تشير التقارير والشكاوى الجديدة إلى أن الإفراج لم يكن فرصة للتوبة، بل ضوءاً أخضراً لاستمرار الممارسات نفسها، مع شبهات حول تحويل أموال وإخفاء ممتلكات كان يجب أن تُحجز لتعويض الضحايا.

جانب من ما يدور من مستجدات القضية في وسائط التواصل الإجتماعي

هنا يُطرح السؤال الجوهري الذي يعري المنظومة، كيف يُختزل حق 76 ضحية وتتبخر مليارات السنتيمات في إجراءات عفو متسرعة، دون استرداد الحقوق؟

علي معمري.. حين يصبح العمل النقابي “إرهاباً”

على النقيض تماماً، وفي زاوية مظلمة من نفس الجهاز القضائي، نجد ملف النقابي والمدافع عن حقوق الإنسان، علي معمري. موظف حكومي، وناشط في الحراك الشعبي، ومؤسس النقابة الوطنية المستقلة لموظفي قطاع الثقافة والفنون، رجل لم يسرق ملياراً، ولم يزور ختماً، ولم يمارس الشعوذة.

جريمة “معمري” الوحيدة كانت ممارسة حقه الدستوري في النشاط النقابي، ومراسلة منظمة العمل الدولية لفضح التعسف، والدفاع عن حقوق العمال.

في 29 أكتوبر 2025، نطقت المحكمة الجنائية الابتدائية بأم البواقي بحكم ثقيل نزل كالصاعقة على الجميع، 15 سنة سجناً نافذاً. حكمٌ استند إلى ترسانة قوانين فضفاضة، على رأسها المادة 87 مكرر من قانون العقوبات (المثيرة للجدل والمتعلقة بالإرهاب)، والأمر 21-09 المتعلق بحماية المعلومات والوثائق الإدارية.

الأكثر صدمة، حسب شهادات متطابقة حضرت الجلسة، هو ما نُسب إلى القاضي أثناء الجلسة من عبارات من قبيل:

كول الخبز وأسكت

لقد تم تكييف المراسلات النقابية، ومنشورات الفيسبوك، وحتى محاولته إنشاء لجنة نقابية للدفاع عن الحقوق، على أنها “أفعال تخريبية” تمس بأمن الدولة. بل إن المسار الإجرائي للقضية ( بحسب هيئة الدفاع) كان حافلاً بالانتهاكات الجسيمة من اعتقال دون مذكرة في مارس 2025، إخفاء قسري لأيام، وشكاوى موثقة عن تعرضه للتعذيب وسوء المعاملة لانتزاع اعترافات، قوبلت برفض قضائي لفتح تحقيق فيها.

صورة للنقابي علي معمري

الكيل بمكيالين

عند وضع القضيتين جنبًا إلى جنب، تتكشّف بوضوح سياسة الكيل بمكيالين التي لم تعد مجرد انحرافات فردية، بل ملامح نهج قضائي ممنهج. ففي قضية احتيال سطيف، تتعلّق الوقائع بجرائم ثقيلة: نصب منظم، تزوير، استيلاء على ما يقارب 23 مليار سنتيم، واستغلال نفسي موثّق طاول 76 مواطنًا تضرروا ماديًا ونفسيًا. ومع ذلك، جرى التعامل مع الملف بقدر لافت من التساهل، تُوِّج بتخفيف العقوبة ثم عفو رئاسي سريع أفضى إلى الإفراج وعودة المتهمة إلى نشاطها.

في المقابل، نجد أن قضية النقابي والحقوقي علي معمري لا تتضمن أي أذى مادي، ولا ضحايا بالمعنى القانوني، بل تتعلق حصريًا بممارسة نشاط نقابي مشروع، ومراسلة هيئات دولية، والتعبير عن الرأي عبر منشورات علنية. ورغم ذلك، وُضع معمري في خانة الخطر على “أمن الدولة”، وتعرّض لمسار قمعي ثقيل: اعتقال دون مذكرة، إخفاء قسري، مزاعم تعذيب، حبس احتياطي مطوّل، قبل أن يُدان بحكم قاسٍ بلغ خمس عشرة سنة سجنًا نافذًا.

هذا التناقض الصارخ بين طبيعة الأفعال وخطورة الإجراءات والعقوبات لا يمكن تفسيره بالصدفة، بل يكشف منطقًا معكوسًا للعدالة: حيث يُسامَح من يُلحق الأذى بالمجتمع، ويُعاقَب من يدافع عن الحقوق ويُزعج السلطة.

خطر يهدد كيان الدولة

إن ما يحدث ليس مجرد ظلم يلحق بأفراد، بل هو تقويض لأسس الدولة الوطنية، فحينما تُسخر نصوص مكافحة الإرهاب لقمع النقابيين وتكميم الأفواه، بينما تُفتح أبواب السجون ليغادرها لصوص المال العام، فإن الرسالة التي يرسلها القضاء للمجتمع هي رسالة خطيرة مفادها “الفساد محمي، والنضال مُجرم”.

إن إصلاح العدالة في الجزائر لم يعد ترفاً فكرياً أو خياراً سياسياً قابلاً للتأجيل، فالوضع الحالي الذي يتجاهل مزاعم التعذيب، ويكافئ الإفلات من العقاب، ويُخضع القضاء للمنطق الأمني الصرف، يضع البلاد أمام منزلق خطير.

فالعدالة التي تعاقب أبناءها الشرفاء وتتسامح مع من ينهبون مقدراتها، ليست عدالة عرجاء فحسب، بل هي خطر داهم على استقرار المجتمع ومستقبل الدولة.

عدالة بمعايير مزدوجة: قراءة في الميزان المختل
ملف خاص

عدالة بمعايير مزدوجة

حين يُكافأ النصب… ويُجرَّم النضال النقابي في الجزائر

⚖️ 🇩🇿 ⛓️

أزمة الميزان المختل

لم يعد الحديث عن أزمة العدالة مجرد توصيف سياسي، بل واقع تثبته الأرقام. نضع أمامكم قضيتين تكشفان الحقيقة المرعبة: تساهل مريب مع الفساد مقابل قسوة غير مسبوقة مع الحقوقيين.

القضية الأولى: علي معمري

نقابي يدافع عن الحقوق. الحكم: 15 سنة سجناً.

القضية الثانية: شبكة سطيف

احتيال بـ 23 مليار. الحكم: 3 سنوات (ثم عفو).

شكل الظلم: مفارقة الضرر والعقاب

يوضح هذا الرسم البياني التناقض الصارخ. تظهر البيانات كيف أن الجريمة التي سببت ضرراً مالياً واجتماعياً هائلاً (قضية سطيف) قوبلت بعقاب ضئيل، بينما النشاط السلمي (قضية معمري) قوبل بأقصى درجات القسوة.

قضية سطيف (الفساد)

  • ضرر مالي: 23 مليار
  • عدد الضحايا: 76 ضحية
  • العقوبة الفعلية: شبه معدومة

قضية معمري (الحقوق)

  • ضرر مالي: 0
  • عدد الضحايا: 0
  • العقوبة: 15 سنة

أولاً: قضية سطيف.. صناعة الإفلات من العقاب

عندما تتحول الجريمة المنظمة والشعوذة والنصب بالملايير إلى مجرد “جنحة بسيطة” تنتهي بعفو سريع.

💸
23
مليار سنتيم منهوبة
👥
76
ضحية نصب
🚪
3
سنوات حكم (ثم عفو)

دورة الإفلات من العقاب

🕵️‍♂️

الجريمة

نصب، شعوذة، تبييض أموال

⚖️

حكم مخفف

تخفيف الحكم إلى 3 سنوات

📜

عفو رئاسي

خروج سريع من السجن

🔁

عودة للنشاط

استمرار الممارسات والضحايا

ثانياً: علي معمري.. ضريبة الحقوق

مسار قضائي مليء بالانتهاكات، من الاعتقال التعسفي إلى الحكم القاسي.

19 مارس 2025

الاعتقال والإخفاء

اعتقال دون مذكرة وإخفاء قسري لعدة أيام دون علم العائلة أو المحامي.

فترة التحقيق

التعذيب وانتزاع الاعترافات

رفض تسجيل شكوى التعذيب رسمياً واستمرار الحبس الاحتياطي لـ 7 أشهر.

29 أكتوبر 2025

الحكم الصادم

الإدانة بـ 15 سنة سجناً نافذاً بتهم الإرهاب (المادة 87 مكرر).

مقارنة سنوات الحكم

الفرق الهائل بين عقوبة سرقة الملايير وعقوبة النشاط النقابي

الخلاصة: بينما يخرج ناهب المال العام بعد 3 سنوات (أو أقل)، يقضي النقابي 5 أضعاف هذه المدة في السجن لمجرد تعبيره عن رأيه.

إصلاح العدالة.. ضرورة بقاء

القضيتان ليستا حوادث معزولة، بل تعبير عن سياسة ممنهجة تُجرّم الفضاء المدني وتكافئ الفساد. العدالة التي تعاقب أبناءها الشرفاء وتتسامح مع من ينهبون مقدراتها، ليست عدالة عرجاء فحسب، بل هي خطر داهم على استقرار المجتمع ومستقبل الدولة.

المصدر: مقال “حينما يُكافأ الاحتيال ويُسجن النضال” تاريخ النشر: 2025 تصميم: Canvas Infographics

📬 هل أعجبك هذا المقال؟ اشترك في نشرتنا البريدية لتصلك آخر الأخبار والبيانات الهامة مباشرة إلى بريدك.

رد واحد

  1. إذا كان خلل في القضاء فحتما ستضيع الحقوق وتنهار القيم ويصبح القضاء وسيلة تسلط على الضعفاء في يد أصحاب السلطة فتهدم الدولة وتخرج من مفهومها كادولة وتصبح سوى غابة

Arabic