🗓️ نُشر بتاريخ: 28/10/2026
في السادس من سبتمبر 2026 دعت الكنفدرالية النقابية للقوى المنتجة إلى الحقيقة والشفافية والمساءلة قبل أي استئناف لتنفيذ أحكام الإعدام، بعد أيام من إعلان رئيس الجمهورية في الثلاثين من أوت الذي فتح الباب أمام تفعيل هذه العقوبة. وفي الثلاثين من سبتمبر وجّه مقرّران خاصان في الأمم المتحدة إلى الحكومة الجزائرية الرسالة OL DZA 5/2026 أثارا فيها مخاوف قانونية جوهرية بشأن مشروع تعديل قانون العقوبات، ثم صدر القانون رقم 26-13 في الثاني عشر من أكتوبر ونُشر في الجريدة الرسمية عدد 72 بتاريخ الثالث عشر منه حاملاً الأحكام نفسها دون تعديل يُذكر. وتتقاطع هذه الوقائع في سؤال واحد عن مدى اتساق هذا الخيار التشريعي مع التزامات قبلتها الجزائر طوعاً ومع ممارسة وطنية صامدة منذ ثلاثة وثلاثين عاماً.
الكنفدرالية سبقت الملاحظات الأممية بأربعة وعشرين يوماً
قبل أن تصل أي ملاحظة أممية إلى الجزائر، كانت الكنفدرالية قد حدّدت جملة من المخاطر في بيان مكتبها الكنفدرالي الصادر يوم السادس من سبتمبر 2026 بعنوان «حرائق الجزائر، الحقيقة والشفافية والمساءلة قبل أي استئناف لتنفيذ أحكام الإعدام»، حيث عبّرت عن تضامنها مع الضحايا وعائلاتهم ونوّهت بعمل فرق لجنتها الوطنية لحماية البيئة والغابات التي شاركت ميدانياً في مكافحة النار ومساندة المتضرّرين، ولا سيّما في ولاية جيجل، إلى جانب أعوان الحماية المدنية والعاملين والمواطنين المتطوّعين.
ولم يتوقّف البيان عند التضامن، لأنه ربط حماية الحق في الحياة بواجبات تقع على الدولة قبل أن تقع على القضاء. فقد اعتبرت الكنفدرالية أنّ مواجهة الحرائق لا تُختصر في تنفيذ أحكام الإعدام، ما دامت أسباب هذه الظاهرة قد تعود إلى الجريمة كما قد تعود إلى الإهمال أو الحادث العرضي أو الظروف المناخية القاسية، فطالبت بنشر حصيلة رسمية كاملة للضحايا والخسائر وبتوضيح التدابير المتّخذة بعد حرائق السنوات الماضية وبالكشف عن الوسائل التي جُنّدت فعلاً في الميدان. ونبّهت كذلك إلى أنّ عقوبة الإعدام تبقى مقرّرة بشأن جرائم أخرى، منها متابعات تُؤسَّس على المادة 87 مكرر التي استُخدمت في ملفات ذات طابع سياسي ضدّ ناشطين سلميين، قبل أن تُختتم بعبارة مفادها أنّ مواجهة الحرائق تكون بالوقاية والمساءلة لا بتنفيذ الإعدام.
مقرّران أمميان يراسلان الجزائر في الثلاثين من سبتمبر
بعد أربعة وعشرين يوماً من ذلك البيان، وجّه المقرّر الخاص المعني بحالات الإعدام خارج نطاق القضاء أو بإجراءات موجزة أو تعسفاً، موريس تيدبال بينز (Morris Tidball-Binz)، والمقرّرة الخاصة المعنية بمسألة التعذيب وغيره من أنواع المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة، باو بيريز ساليس (Pau Pérez-Sales)، رسالة مشتركة من تسع صفحات إلى الحكومة الجزائرية بشأن مشروع القانون المعدّل والمتمّم للأمر 66-156 المتضمّن قانون العقوبات، الذي كان حينها معروضاً على المجلس الشعبي الوطني، وبشأن التعليمات والتصريحات العلنية التي أعلنت الاستئناف الفعلي للتنفيذ. وقد ميّز المقرّران بين مسألتين لا تُختزل إحداهما في الأخرى، وهما الخروج من وقف التنفيذ القائم منذ 1993 من جهة، وتوسيع نطاق العقوبة أو تغيير شروط النطق بها من جهة أخرى، وطلبا من الحكومة توضيحات بشأن ستّ نقاط تشمل مدى تقدّم المشروع، وطبيعة التعليمات المتصلة باستئناف التنفيذ، والضمانات المطبّقة على الأفعال السابقة والمحكوم عليهم سابقاً، وتفريد العقوبة واستقلال القضاء واستبعاد ما انتُزع تحت التعذيب، والتحقيقات في حرائق أوت 2026، والمعطيات المتوفّرة عن أحكام الإعدام والطعون.
ما طبيعة هذه الرسالة من الناحية القانونية؟
تندرج الرسالة في إطار الإجراءات الخاصة لمجلس حقوق الإنسان، ضمن المراسلات المتعلقة بالتعليق على نصوص قيد النظر أو حديثة الاعتماد. وهي بذلك ليست حكماً قضائياً دولياً ولا إدانة قضائية نهائية للجزائر، وإنما وسيلة حوار مؤسّسي تسمح لأصحاب الولايات بإبلاغ الدولة بمخاوفهم وطلب توضيحات منها، وتُنشر مع أي ردّ حكومي ثم تُدرَج في التقرير الدوري المعروض على المجلس.
ثلاثة وثلاثون عاماً دون تنفيذ، بما في ذلك سنوات العشرية السوداء
تؤكّد الرسالة أنّ عقوبة الإعدام ما تزال مقرّرة في التشريع الجزائري وما تزال المحاكم تنطق بها، في حين يُلاحَظ وقف فعلي للتنفيذ منذ سنة 1993. وهذا التمييز جوهري، لأنّ ما استقرّ في الجزائر ليس إلغاءً قانونياً للعقوبة بل امتناعاً عملياً عن تنفيذها لم تُرسّخه نصوص ملزمة، بما يعني أنه خيار في السياسة الجزائية يمكن الرجوع عنه دون أي تعديل دستوري. وتستند الرسالة إلى الفقرة 50 من التعليق العام رقم 36، التي تعتبر أنّ التدابير الرامية إلى زيادة اللجوء فعلياً إلى عقوبة الإعدام تتعارض مع موضوع المادة السادسة وغرضها، فأي إصلاح يهدف إلى إعادة تفعيل التنفيذ بعد أكثر من ثلاثة عقود يجب أن يُقاس بهذا المعيار، حتى إذا لم يُنشئ أي جريمة جديدة يُعاقب عليها بالإعدام.
غير أنّ القيمة الحقيقية لهذه الممارسة تظهر في سياقها التاريخي، لأنّ التوقف عن التنفيذ لم يحصل في فترة هدوء، وإنما تواصل خلال الجزء الأكبر من سنوات العنف المسلّح التي عُرفت بالعشرية السوداء، وهي فترة واجهت فيها الدولة أعمال عنف بالغة الجسامة وصدرت فيها أحكام إعدام كثيرة دون أن تُترجَم إلى تنفيذ. ومن باب الدقّة لا يُنسب إلى سلطات تلك المرحلة دافع محدّد، لأنّ المتحقَّق منه هو النتيجة لا البواعث. وتبقى النتيجة العملية أنّ استئناف التنفيذ بعد ثلاثة وثلاثين عاماً يكون انقطاعاً عن ممارسة مؤسّسية طويلة، يُثير مسائل تتعلق بأحكام قديمة صدر بعضها غيابياً وبمحكوم عليهم أمضوا سنوات طويلة في الانتظار، وهو وضع تربطه اللجنة في الفقرة 40 من التعليق نفسه باحتمال مخالفة المادة السابعة من العهد بحسب الظروف وأحوال الاحتجاز.
من المشروع إلى القانون، ما الذي تغيّر فعلاً؟
بين الرسالة الأممية والنصّ النهائي مرّ اثنا عشر يوماً فقط. فقد صادق المجلس الشعبي الوطني على النص في فاتح أكتوبر 2026، أي في اليوم الموالي لتاريخ الرسالة، ثم صادق عليه مجلس الأمة في السابع من أكتوبر، قبل أن يصدر القانون رقم 26-13 في الثاني عشر منه ويُنشر في الجريدة الرسمية عدد 72 بتاريخ الثالث عشر.
- 30 أوت 2026 تعليمة رئاسية إلى وزير العدل لإعداد تعديل لقانون العقوبات قبل الخامس عشر من سبتمبر.
- 2 سبتمبر 2026 المجلس الأعلى للأمن يدعو إلى تفعيل تطبيق عقوبة الإعدام في هذا النوع من الجرائم.
- 6 سبتمبر 2026 بيان مجلس الوزراء يجدّد التعليمات، وفي اليوم نفسه يصدر بيان الكنفدرالية.
- 9 سبتمبر 2026 مصالح الوزير الأول تعلن دراسة مشروع أوّلي لقانون يُجسّد هذه التعليمات.
- 21 سبتمبر 2026 عرض المشروع على لجنة الشؤون القانونية والإدارية والحريات وحقوق الإنسان بالمجلس الشعبي الوطني.
- 22 سبتمبر 2026 تصريح منسوب إلى وزير العدل للصحافة مفاده أنّ عقوبة الإعدام سوف تُطبَّق، وفق ما تنقله الرسالة الأممية.
- 30 سبتمبر 2026 المقرّران الأمميان يوجّهان الرسالة OL DZA 5/2026.
- فاتح أكتوبر 2026 مصادقة المجلس الشعبي الوطني على النص.
- 7 أكتوبر 2026 مصادقة مجلس الأمة على النص.
- 12 و13 أكتوبر 2026 صدور القانون 26-13 ثم نشره في الجريدة الرسمية عدد 72.
وبمقابلة النصوص الواردة في الرسالة بالنص المنشور في الجريدة الرسمية، يتبيّن أنّ الأحكام الأساسية اعتُمدت كما كانت في المشروع.
- المادة 291 تُعاقب بالإعدام كل من يخطف طفلاً بأي وسيلة ويعذّبه و/أو يعتدي عليه جنسياً و/أو يشوّهه، مع استبعاد الظروف المخففة. وقد طلب المقرّران من الحكومة أن تُوضّح ما إذا كان كل فعل من هذه الأفعال يصلح وحده أساساً لعقوبة الإعدام.
- المادة 395 مكرر تُعاقب بالإعدام على الإحراق العمدي للغابات والأحراش والحقول المغروسة وغير المغروسة والأشجار والأخشاب المكدّسة داخل الغابات.
- المادة 396 رُفعت عقوبتها إلى الحبس من عشر سنوات إلى عشرين سنة.
- المادة 396 مكرر 1 تُعاقب بالإعدام على إحراق الأموال العمومية أو الخاصة في حالات تشمل التحريض من دولة أجنبية أو جهة أجنبية أو العمل لحسابها، وجرائم الخيانة والتخابر مع دولة أجنبية، والجماعة الإجرامية المنظّمة، واستهداف الأمن والنظام العامين والوحدة الوطنية واستقرار المؤسسات والاقتصاد الوطني، أو إحداث أضرار بالبيئة والثروة الغابية والنباتية والحيوانية والزراعية.
- المادة 396 مكرر 2 تُعاقب بالإعدام على التحريض والتشجيع والتمويل والتنظيم والمشاركة في ارتكاب هذه الأفعال أو التحضير لها أو تسهيلها بأي وسيلة، بما فيها تكنولوجيات الإعلام والاتصال وشبكات التواصل الاجتماعي.
- المادة 396 مكرر 3 تستبعد الظروف المخففة عن المحكوم عليهم في المواد 395 مكرر و396 مكرر 1 و396 مكرر 2.
- المادة 399 تُعاقب بالإعدام مرتكب الحريق، في الحالات المنصوص عليها في المواد 395 و396 و396 مكرر و397 و398، إذا أدّى الحريق العمدي إلى وفاة شخص أو أكثر.
اعتماد أحكام انتقالية خالية من أي غموض، تحسم معاملة الأفعال السابقة لدخول النص حيّز النفاذ ووضع المحكوم عليهم سابقاً، وتضمن تطبيق القانون الأصلح للمتهم، وتحفظ وقف التنفيذ لجميع المعنيين.
يتضمّن القانون ثماني مواد، تحدّد الأولى موضوعه وتُعدّل المواد من الثانية إلى السابعة أحكام قانون العقوبات وتنصّ الثامنة على النشر في الجريدة الرسمية. ولا يرد فيه أي حكم انتقالي ولا أي قاعدة صريحة تتعلق بتطبيق النص على الأفعال السابقة لنشره.
وتحمل هذه المقارنة دلالة مزدوجة. فمن جهة تُثبت أنّ قراءة المقرّرين كانت مطابقة للنص الذي اعتُمد فعلاً، وهو أمر لم يكن محسوماً لديهما، إذ أقرّا في الصفحة السابعة بأنّ المعطيات المتوفّرة لم تسمح لهما بالتأكّد من كون النص المدروس أحدث نسخة من المشروع. ومن جهة أخرى تعني أنّ المخاوف المعلنة قبل الاعتماد تظلّ قائمة بعده. وقد طلب المقرّران صراحةً إحالة ملاحظاتهما إلى غرفتي البرلمان قبل أي اعتماد للمشروع، في حين نصّت الرسالة على نشرها في غضون ثمان وأربعين ساعة، أي بعد تصويت المجلس الشعبي الوطني بيوم واحد.
وفي المقابل عبّرت الحكومة عن موقفها بوضوح، إذ ردّ وزير العدل أمام مجلس الأمة في السادس من أكتوبر على منتقدي التعديل مؤكّداً أنّ «الجزائر ملتزمة بعهود حقوق الإنسان» وواصفاً قرار رئيس الجمهورية بأنه «قرار دستوري»، وأوضح أنّ تنفيذ حكم الإعدام لا يكون إلا بعد أن يصبح الحكم نهائياً وبعد رفض طلب العفو، وهو الشرط الذي تنصّ عليه المادة 155 من قانون تنظيم السجون وإعادة الإدماج الاجتماعي للمحبوسين. وإلى حدّ تاريخ نشر هذا المقال لم يُرصد أي ردّ حكومي علني على الرسالة، ولم تُسجَّل أي عملية تنفيذ لحكم إعدام في الجزائر، بما يعني أنّ الوقف الفعلي لم يُخرق مادياً وأنّ ما تغيّر هو الإطار القانوني والسياسي المحيط به.
المخاوف القانونية الجوهرية التي تبقى قائمة
الحق في الحياة وحدود «أشدّ الجرائم خطورة»
الجزائر طرف في العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية منذ الثاني عشر من سبتمبر 1989، والمادة السادسة منه تحمي الحق في الحياة، وتُخضع فقرتها الثانية هذه العقوبة، في الدول التي لم تُلغِها، لشروط صارمة. وقد أوضحت اللجنة المعنية بحقوق الإنسان في الفقرة 35 من التعليق العام رقم 36 أنّ مفهوم أشدّ الجرائم خطورة ينحصر في الجرائم البالغة الجسامة التي تنطوي على قتل عمدي، وأنّ جسامة الفعل أو تكييفه الوطني أو حصول الوفاة لا تكفي بذاتها، كما بيّنت في الفقرة 52 أنّ تطبيق العقوبة على جريمة خارج هذه الدائرة يُخالف المادتين السادسة والسابعة. وهنا يقع جوهر الإشكال، لأنّ المادتين 395 مكرر و396 مكرر 1 تتيحان النطق بالإعدام في غياب أي وفاة، والمادة 396 مكرر 2 تمدّ العقوبة إلى أشكال من المشاركة دون اشتراط قتل عمدي، أما المادتان 399 و291 فلا تشترطان صراحة قصد إزهاق الروح، وهي أفعال لا تدخل في دائرة أشدّ الجرائم خطورة بمعنى العهد إذا لم تُفضِ إلى الموت عمداً، على ما فيها من فظاعة بالغة.
صياغات واسعة وخطر الامتداد إلى التعبير المشروع
تنبّه الرسالة إلى أنّ عبارات مثل التشجيع والمشاركة والتحضير والتسهيل، خصوصاً حين تُقترن بشبكات التواصل الاجتماعي، قد تشمل تعبيرات ومنشورات تبقى مشروعة في ذاتها، وأنّ التحريض المتعمّد والمباشر على ارتكاب جريمة يختلف عن إبداء رأي أو تقاسم معلومة أو التعليق على حادثة. ويضيف المقرّران أنّ صور المشاركة المذكورة ليست متكافئة في جسامتها، إذ لا تُماثل المشاركة المباشرة في إضرام حريق فعلاً تحضيرياً أو مساهمة بعيدة لا تحمل عنفاً ولا قصداً في القتل، وهو ما يستوجب تعريفاً دقيقاً لكل صورة وللعنصر القصدي المطلوب فيها، لأنّ الامتداد الواسع لهذه الصياغات قد يؤدّي إلى قيود لا تتوافق مع حرية التعبير المحمية بالمادة 19 من العهد.
الشرعية وعدم الرجعية وتفريد العقوبة
تحظر الفقرة الأولى من المادة 15 من العهد توقيع عقوبة أشدّ من تلك التي كانت سارية وقت ارتكاب الجريمة وتضمن الاستفادة من أي عقوبة أخفّ يُقرّها القانون لاحقاً، وقد ذكّر المقرّران بأنّ اللجنة أوضحت في الفقرتين 34 و38 من التعليق العام رقم 36 أنّ الدول لا يجوز لها توسيع عقوبة الإعدام إلى جرائم جديدة أو تأسيس تطبيقها على أحكام فضفاضة أو غير متوقّعة، ولذلك أوصيا باعتماد أحكام انتقالية واضحة نظراً إلى التقارب الزمني الشديد بين حرائق أوت والجدول الزمني المعلن للتعديل. ولمّا جاء النص المنشور خالياً من أي حكم من هذا النوع، بقي تطبيق مبدأ عدم الرجعية موكولاً إلى القواعد العامة وإلى تقدير القضاء، مع التوضيح بأنّ وجود خطر قانوني لا يعني أنّ تطبيقاً رجعياً قد حصل فعلاً. ويتّصل بذلك ما تقرّره المادة 396 مكرر 3، إذ رأت اللجنة في الفقرة 37 أنّ عقوبة الإعدام الإلزامية التي لا تترك للقاضي أي إمكانية لمراعاة ظروف الجريمة والحالة الشخصية للمتهم تشكّل حرماناً تعسفياً من الحياة، وأنّ إمكانية العفو لا تُغني عن تفريد العقوبة أمام القضاء. ومن اللازم التدقيق هنا، فاستبعاد الظروف المخففة لا يُعادل إلزاماً بالنطق بالإعدام، غير أنه يُقلّص هامش التفريد تقليصاً كبيراً، ولذلك أوصت الرسالة باستبعاد كل آلية تلقائية مرتبطة بتكييف جزائي أو بنتيجة ضارّة أو بفئة من الفاعلين.
استقلال القضاء وقرينة البراءة وحظر التعذيب
ترى الرسالة أنّ تعليمات السلطة التنفيذية في مجال السياسة الجزائية لا يمكن أن تحدّد الإدانة أو العقوبة في قضية بعينها، وأنّ الإعلانات التي استهدفت تنفيذاً فعلياً للأحكام في وقت كانت التحقيقات جارية تجعل الفصل بين هذه التوجّهات وبين القرارات القضائية أكثر ضرورة، استناداً إلى المادة 14 من العهد والمادتين السابعة والسادسة والعشرين من الميثاق الأفريقي لحقوق الإنسان والشعوب، وإلى الفقرتين 19 و30 من التعليق العام رقم 32 والمبادئ 1 و2 و4 من المبادئ الأساسية بشأن استقلال السلطة القضائية، مع ما تقتضيه الفقرة الثانية من المادة 14 من احترام قرينة البراءة. وتُذكّر الرسالة بأنّ حظر التعذيب وغيره من المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة حظر مطلق لا يقبل أي استثناء، وفقاً للفقرة الثانية من المادة الرابعة والمادة السابعة من العهد والمادتين الثانية والسادسة عشرة من اتفاقية مناهضة التعذيب، وأنّ المادة 15 من الاتفاقية تستوجب استبعاد أي إفادة انتُزعت تحت التعذيب، في حين تفرض المادتان الثانية عشرة والثالثة عشرة تحقيقات سريعة ونزيهة وحماية المشتكين والشهود. وتقتضي الفقرتان الثالثة والخامسة من المادة 14 مساعدة فعّالة من محام ومراجعة الإدانة أمام جهة أعلى، وتكفل الفقرة الرابعة من المادة السادسة حق طلب العفو مع وقف أي تنفيذ أثناء دراسة الطعون. وتُبيّن اللجنة في الفقرة 41 أنّ حكماً بالإعدام يصدر في محاكمة مخالفة للمادة 14 يُخالف المادة السادسة أيضاً، كما تحظر الفقرة الخامسة من المادة السادسة النطق بالإعدام على جرائم ارتُكبت قبل بلوغ الثامنة عشرة وتنفيذه على الحوامل.
حماية الحق في الحياة تبدأ بالوقاية والتحقيق
من أهم ما تضمّنته الرسالة أنّ حماية الحق في الحياة ليست مسألة عقوبات فحسب، إذ تقتضي المادة السادسة من العهد، مقروءةً مع الفقرتين الأولى والثالثة من المادة الثانية، تدابير معقولة للوقاية من التهديدات المتوقَّعة على الحياة وتحقيقاً فعّالاً وتحديداً للمسؤوليات وسبيل تظلّم مجدياً في حالات الوفاة التي يُحتمل أن تكون غير مشروعة، وفق الفقرات 7 و26 إلى 28 من التعليق العام رقم 36 والفقرات 15 إلى 37 من بروتوكول مينيسوتا لسنة 2016 المتعلق بالتحقيق في حالات الوفاة التي يُحتمل أن تكون غير مشروعة. ويُوصي المقرّران بأن تُدمَج في النقاش حول الإصلاح الوسائل اللازمة لتحديد أسباب الوفيات والمسؤوليات، بما فيها أي تقصير في الوقاية أو الإنذار أو الإخلاء أو الإنقاذ، فالاستجابة المتوافقة مع الالتزامات المتصلة بالحق في الحياة لا تنحصر في تشديد العقوبات. وهذا تحديداً هو المنطق الذي صاغته الكنفدرالية بلغة نقابية قبل أربعة وعشرين يوماً، دون أن يعني ذلك أنّ الرسالة أشارت إلى بيانها أو صادقت عليه.
التزامات الجزائر الدولية ومسألة الاتساق
لا يُطرح هذا الملف بوصفه خلافاً بين الجزائر وجهة خارجية، بل بوصفه مسألة اتساق بين التزامات قبلتها الدولة بمحض إرادتها وبين خياراتها الجزائية الراهنة. فقد أوصت اللجنة المعنية بحقوق الإنسان في ملاحظاتها الختامية بشأن الجزائر لسنة 2018 في الفقرتين 27 و28 بعدم إخضاع أي جرائم جديدة لعقوبة الإعدام، وبتخفيف عقوبات المحكوم عليهم المنتظرين للتنفيذ، وبمراجعة الأحكام المتعلقة بالإعدام الصادر غيابياً، وباتخاذ ما يلزم للانضمام إلى البروتوكول الاختياري الثاني الملحق بالعهد، فضلاً عن النظر في مسار سياسي وتشريعي نحو الإلغاء، وقد سجّلت في الفقرة 27 قلقها إزاء جرائم تُعاقب بالإعدام وهي ليست من أشدّ الجرائم خطورة. وتُحيل الرسالة كذلك إلى قرار الجمعية العامة 79/179 الصادر في السابع عشر من ديسمبر 2024 بعنوان «وقف استخدام عقوبة الإعدام»، وتذكر أنّ الجزائر دعمته، وتنصّ الفقرة العاشرة من هذا القرار على تشجيع الدول التي تعتمد وقفاً للتنفيذ على الحفاظ عليه، في حين تعتبر فقرته التمهيدية أنه لا يوجد دليل قاطع على القيمة الرادعة لهذه العقوبة. وينبغي التدقيق في الطبيعة القانونية للنصّين، لأنّ قرار الجمعية العامة لا يُنشئ التزاماً تعاقدياً ولا يحلّ محلّ أحكام العهد، فالمسألة المطروحة ليست انتهاكاً لقرار غير ملزِم، وإنما اتساق موقف دولة أيّدت نصاً يشجّع على الحفاظ على وقف التنفيذ قبل أن تتّجه في أقلّ من عامين إلى توسيع دائرة العقوبة والإعلان عن تفعيلها.
لماذا ينبغي للحكومة أن تُنصت إلى صوت العقل؟
دعا المقرّران الحكومة الجزائرية صراحة إلى إعادة النظر في التوجّهات الرامية إلى استئناف التنفيذ، وإلى أن تحفظ مراجعة قانون العقوبات وقف التنفيذ وتُرسّخه في أفق الإلغاء الكامل. وثمة خمسة أسباب تجعل هذه الدعوة جديرة باهتمام خاص، أوّلها أنّ الالتزامات المعنية اكتسبتها الجزائر بتصديقها الطوعي على العهد وعلى اتفاقية مناهضة التعذيب ولم تُفرض عليها من الخارج، وثانيها أنّ استئناف التنفيذ سيطوي ممارسة امتدّت ثلاثة وثلاثين عاماً وصمدت في أعنف سنوات العشرية السوداء، وثالثها أنّ توسيع العقوبة إلى أفعال لا تتضمّن قتلاً عمدياً يطرح إشكالاً جدياً في التوافق مع المادة السادسة من العهد، ورابعها أنّ الإبقاء على الأحكام المتنازع فيها بعد ملاحظات صريحة لمقرّرين خاصين قد يؤثّر في الثقة الممنوحة لإرادة الدولة في احترام تعهّداتها، وخامسها أنّ الاستجابة لمأساة الحرائق تُقاس أيضاً بفعالية الوقاية واستقلال التحقيقات وحماية الضحايا ومساءلة المؤسسات العمومية.
أما أثر هذا الخيار على صورة الجزائر الدولية فيستحقّ نقاشاً رصيناً بعيداً عن المبالغة. فلا توجد إلى اليوم أي وثيقة أممية تُقرّ بأنّ الجزائر فقدت مصداقيتها، ومن غير الدقيق الإيحاء بذلك. غير أنّ الدولة تُراكم مصداقيتها عبر احترام تعهّداتها واتّساق قراراتها وقدرتها على فحص التوصيات الدولية بجدّية، وستُدرَج هذه المراسلة في التقرير الذي يقدّمه أصحاب الولايات إلى مجلس حقوق الإنسان، فتصبح جزءاً من سجلّ متابعة ملفّ الجزائر أمام هذه الآليات. وبهذا المعنى فإنّ ما يُطرح اليوم ليس حكماً على الجزائر، وإنما فرصة متاحة أمامها لتُظهر أنّ حوارها مع هذه الآليات حوار فعلي ومنتِج، كما أظهرته سابقاً بردّها على المراسلتين DZA 12/2021 وDZA 7/2025.
الكنفدرالية تواصل نضالها
تُسجّل الكنفدرالية النقابية للقوى المنتجة أنّ موقفها المعلن في السادس من سبتمبر 2026 سبق تدخّل خبراء الأمم المتحدة، وأنّ ما طرحته حينها بلغة ميدانية يلتقي اليوم مع ما طرحه المقرّران بلغة القانون الدولي في ما يتعلق بحماية الحق في الحياة والوقاية من الكوارث والشفافية والمساءلة والضمانات القضائية.
وتؤكّد الكنفدرالية النقابية للقوى المنتجة (COSYFOP) أنها ستواصل نضالها السلمي والحقوقي من أجل حماية الحق في الحياة، والحفاظ على وقف تنفيذ أحكام الإعدام، والدفاع عن الضمانات القضائية والحريات الأساسية، والعمل على احترام الجزائر لالتزاماتها الدولية.
وعلى هذا الأساس تُجدّد الكنفدرالية دعوتها إلى الحكومة لإعادة النظر في هذا التوجّه، وللإنصات إلى ملاحظات خبراء الأمم المتحدة وفحصها بما تستحقّه من جدّية، وللحفاظ على الوقف الفعلي لتنفيذ أحكام الإعدام الذي صمد ثلاثة وثلاثين عاماً، ولتوجيه الجهد العمومي نحو ما يحمي الأرواح فعلاً، أي الوقاية من الحرائق وتقوية وسائل التدخّل وإجراء تحقيقات مستقلّة وشفافة وتحديد المسؤوليات ومساندة الضحايا وعائلاتهم. فاحترام الكرامة الإنسانية والتزامات الجزائر الدولية ليس تنازلاً عن السيادة الوطنية، وإنما وجه من أوجه ممارستها على نحو مسؤول.
الملفّ في فيديو
فيديو إخباري من إنتاج الكنفدرالية النقابية للقوى المنتجة يلخّص الملفّ في مئة وعشر ثوانٍ (مشاهدته على يوتيوب).
📬 هل أعجبك هذا المقال؟ اشترك في نشرتنا البريدية لتصلك آخر الأخبار والبيانات الهامة مباشرة إلى بريدك.