في فيفري 2026، ردّت الجزائر رسميًا على بلاغ مشترك وجّهه إليها ثمانية من المكلفين بولايات في إطار الإجراءات الخاصة لمجلس حقوق الإنسان بشأن النقابي علي معمري والشاعر محمد تاجاديت. وفي جوان 2026، فحصت لجنة الحرية النقابية التابعة لمنظمة العمل الدولية، في تقريرها الـ415، القضية رقم 3434 التي يرد فيها ملف معمري. ومقارنة ما قدّمته السلطات أمام الجهازين تُظهر فوارق موثّقة في تاريخ التوقيف، وفي التكييف الإجرائي للاعتقال، وفي مصير الطعن في الحبس المؤقت، وفي حجم المعلومات التي بلغت كل هيئة.

تحقيق — قسم التحليل والوثائق بالكنفدرالية النقابية للقوى المنتجة (الكوزيفوب) ·

النقابي الجزائري علي معمري، رئيس النقابة الوطنية لموظفي قطاع الثقافة والفنون المنضوية تحت الكنفدرالية النقابية للقوى المنتجة
علي معمري، رئيس النقابة الوطنية لموظفي قطاع الثقافة والفنون وعضو المجلس الوطني للكوزيفوب، المحكوم عليه بعشر سنوات حبسًا نافذًا في 1 فيفري 2026.

في ردّ رسمي من ثلاثين صفحة، مؤرّخ في فيفري 2026 ويحمل الرمز HRC/NONE/2026/SP/28، قدّمت الحكومة الجزائرية روايتها بشأن النقابي علي معمري والشاعر محمد تاجاديت. وجاء الردّ على رسالة الخبراء الأمميين AL DZA 7/2025 المؤرّخة في 8 ديسمبر 2025. وتتخذ هذه القراءة من المعلومات الحكومية الموجّهة إلى الأمم المتحدة ومن ملاحظات الجزائر أمام منظمة العمل الدولية أساسًا لفحص النقاط التي تحتاج إلى توضيح.

رسالة الإجراءات الخاصة تُبرز ادعاءات ومخاوف تستوجب جواب الدولة، ولا تُعدّ حكمًا قضائيًا. ومن جهتها، تعرض الحكومة روايتها وتؤكد سلامة الإجراءات. غير أن مدى اتساق هذه الرواية مع التواريخ والمعطيات الواردة في المراسلات الرسمية يظل سؤالًا أساسيًا، خصوصًا عندما تتناول هيئتان دوليتان الملف نفسه.

من هو علي معمري ولماذا بلغ ملفه ثماني ولايات أممية

علي معمري، المولود في 18 أفريل 1985، موظف في قطاع الثقافة بولاية أم البواقي، ورئيس النقابة الوطنية لموظفي قطاع الثقافة والفنون (SNFC) وعضو المجلس الوطني للكوزيفوب. وتذكر رسالة الخبراء، في عرضها لخلفية القضية، أنه ساهم في تنظيم العمال نقابيًا، وجمع أكثر من ستمائة منخرط مهتم بين جوان 2024 ومارس 2025، قبل انتخابه رئيسًا للمكتب التنفيذي للنقابة.

وبعد أربعة أيام من الجمعية العامة المنعقدة في 15 مارس 2025، أُوقف أمام مقر عمله. وفي 29 أكتوبر 2025 أدانته محكمة الجنايات الابتدائية بأم البواقي بخمس عشرة سنة حبسًا نافذًا. ثم خُفّضت العقوبة في الاستئناف إلى عشر سنوات في 1 فيفري 2026. وتربط السلطات المتابعة باتهامات تتعلق بالإشادة بأعمال إرهابية، واستعمال وسائل الاتصال ونقل معلومات ووثائق إدارية، بينما يثير خبراء الأمم المتحدة تساؤلات بشأن ارتباطها بممارسته لحقوقه الأساسية، بما فيها النشاط النقابي.

التسلسل الزمني للملف

  • 26 فيفري 2024 انضمامه إلى الكوزيفوب.
  • 17 جوان 2024 تعيينه مندوبًا نقابيًا لدى وزارة الثقافة وانطلاق حملة التنظيم النقابي.
  • 16 جويلية 2024 طلب إعادة الإدماج في منصبه الأصلي، ورفضه في اليوم الموالي.
  • 11 فيفري 2025 بلاغ الكوزيفوب إلى لجنة الحرية النقابية المتضمّن ادعاءات بإجراءات انتقامية ضده.
  • 15 مارس 2025 الجمعية العامة التي انتخبته رئيسًا للمكتب التنفيذي للنقابة.
  • 19 و20 مارس 2025 التوقيف، وبداية التوقيف للنظر حسب الرواية الحكومية.
  • 27 مارس 2025 تقديمه أمام وكيل الجمهورية ووضعه رهن الحبس المؤقت، وإيداع شكوى بالتعذيب حسب الخبراء.
  • 14 سبتمبر 2025 تلقّي مكتب العمل الدولي ملاحظات الحكومة الأولى في القضية.
  • 29 أكتوبر 2025 الحكم الابتدائي بخمس عشرة سنة حبسًا نافذًا.
  • 8 ديسمبر 2025 رسالة الادعاء المشتركة AL DZA 7/2025.
  • 1 فيفري 2026 تخفيض العقوبة في الاستئناف إلى عشر سنوات.
  • فيفري 2026 الرد الرسمي للحكومة الجزائرية على الخبراء.
  • 12 أفريل 2026 تلقّي مكتب العمل الدولي ملاحظات الحكومة الثانية.
  • 13 جوان 2026 اعتماد مجلس إدارة منظمة العمل الدولية للتقرير الـ415.

ما الذي قالته الحكومة الجزائرية للأمم المتحدة

يخصّص الرد الحكومي لملف معمري صفحاته من 15 إلى 19، ثم يعود إليه في محورين لاحقين يتعلقان بالاختفاء القسري وبظروف الاحتجاز. وتعرض الرواية الرسمية أن مصالح الأمن تلقّت معلومات مفادها أن شخصًا كان ينقل على شبكات التواصل منشورات «مخرّبين» وأشخاص مبحوث عنهم، وأن التحريات ربطت رقم هاتف بصاحبه علي معمري، وأنه كان على اتصال بعدة «مخرّبين» وأفشى وثائق إدارية متعلقة بعمله. وتضيف أن تفتيش هاتفه وحاسوبيه جرى بإذن قضائي، وأن الحاسوبين خضعا لخبرة تقنية.

وعلى المستوى القانوني، تقوم المتابعة على المواد 87 مكرر و87 مكرر 1 و87 مكرر 4 و87 مكرر 5 من قانون العقوبات، وعلى المادتين 34 و39 من الأمر رقم 21-09 المتعلق بحماية المعلومات والوثائق الإدارية. وتؤكد الحكومة أن المتابعة لم تستهدف أفكاره ولا انتماءاته وإنما «وقائع مادية محددة»، وتبيّن في الصفحة 20 أن تمديد التوقيف للنظر إلى غاية 27 مارس تمّ بإذن من وكيل الجمهورية وتحت رقابته، استنادًا إلى أحكام قانون الإجراءات الجزائية التي تجيز هذا التمديد في التحقيقات المتعلقة بالجرائم الإرهابية وإلى المادتين 45 و46 من الدستور. وتضيف في الصفحتين 23 و24 أن المعني يتلقى في المؤسسة العقابية رعاية صحية ومتابعة نفسية منتظمة وزيارات من عائلته ومحاميه، وأنه لا يخضع لأي معاملة تمييزية أو مهينة. أما في الشق النقابي فتجزم بأن الإجراء المتخذ «لا علاقة له بأنشطة نقابية قانونية».

تشتمل هذه الرواية على تفاصيل قابلة للفحص، من بينها تواريخ الفحوص الطبية وساعات الاتصال والزيارات. لكن النص الحكومي المنشور لا يتيح الاطلاع على الشهادات الطبية أو محاضر التوقيف أو الأحكام القضائية نفسها، وهو ما يحدّ من إمكان التحقق المستقل من بعض نقاط الخلاف.

ما الذي قدّمته الجزائر لمنظمة العمل الدولية

القضية رقم 3434 المسجلة ضد الجزائر أمام لجنة الحرية النقابية تتعلق أساسًا بالاعتراف بالكوزيفوب وبتسجيلها وبوضعية عدد من قادتها، ومن بينهم علي معمري. وقد طلبت اللجنة من الحكومة، في تقريرها الـ411 في جوان 2025، أن توافيها على وجه الاستعجال بملاحظاتها حول وضعية القادة النقابيين الواردين في بلاغَي المنظمة الشاكية المؤرخين في 7 و9 أفريل 2025، خصوصا علي معمري. وكانت اللجنة قد أوصت، منذ فحصها السابق للقضية في مارس 2024، بألا تُطبَّق المادة 87 مكرر من قانون العقوبات على الأنشطة العادية لمنظمات العمال وأصحاب العمل، ولا سيما الدعوة إلى الإضراب والاحتجاج والمطالبة السلمية بتغيير الحكومة.

وفي التقرير الـ415، تبيّن الفقرة 49 أن مكتب العمل الدولي تلقّى ملاحظات الحكومة في 14 سبتمبر 2025 ثم في 12 أفريل 2026. وتورد الفقرة 58 مضمون الملاحظات الأولى، وهي أن النقابة التي يترأسها «لا وجود قانوني لها ولم تُسجَّل قط»، وأن نقله تمّ في مارس 2024 قبل تعيينه النقابي في جوان 2024، وأنه أُوقف عن العمل ابتداءً من 19 أفريل 2025 بعد «تركه لمنصبه في مارس 2025»، وأن توقيفه جاء في إطار تحقيق أولي، وأن القضية «لا تزال في طور التحقيق».

كان وصف القضية بأنها «لا تزال في طور التحقيق» متسقًا مع تاريخ الملاحظات الأولى، أي قبل حكم أكتوبر 2025. غير أن الحكومة قدّمت ملاحظات ثانية في 12 أفريل 2026، بعد صدور حكم الاستئناف. وتوضح الفقرتان 62 و72 من التقرير الـ415 أن اللجنة علمت بالحكم الصادر في 1 فيفري 2026 استنادًا إلى معلومات متاحة للعموم، لم يرد بها التوضيح المطلوب في المراسلات الحكومية الأخيرة. هذا النقص لم تستنتجه الكوزيفوب، بل سجّلته لجنة الحرية النقابية نفسها.

وتؤكد الفقرتان 73 و77 (ج) من التقرير ذاته أن اللجنة، في غياب الأحكام والمنشورات التي بُنيت عليها الإدانات، لا تستطيع تقييم مدى ارتباط التدابير بالحرية النقابية تقييمًا كاملًا. ولذلك طلبت موافاتها بنسخ الأحكام القضائية النهائية. وقد تلقت اللجنة معلومات حكومية بالفعل، لكن الوثائق الحاسمة للتحقق من الأساس القضائي للمتابعة بقيت غير متاحة لها في هذا الفحص.

أول فارق، 19 أم 20 مارس

الرواية الحكومية

في الصفحة 15 من الرد، «في 19 مارس 2025 تم توقيف المعني أمام مقر عمله»، ثم في الصفحة ذاتها «في 20 مارس 2025 على الساعة العاشرة والنصف وُضع المعني للنظر». وفي الصفحة 20 تعود الوثيقة لتقول إن وضعه للنظر تم «في 20 مارس 2025، تاريخ توقيفه». وأمام لجنة الحرية النقابية، ورد في الفقرة 58 أنه «أُوقف في 19 مارس 2025».

ما يستدعي التوضيح

تذكر رسالة الخبراء الأمميين أن التوقيف وقع يوم 19 مارس 2025، دون إبلاغ معمري بأسبابه. أما الرد الحكومي فيضع بداية التوقيف للنظر يوم 20 مارس، ثم يصف هذا اليوم نفسه بأنه «تاريخ توقيفه»، مع تأكيد حصول التوقيف الفعلي يوم 19 مارس. ولا يُوضّح النص المنشور الوضع القانوني للمدة الفاصلة بين اللحظتين. وتحديد ساعة الحرمان الفعلي من الحرية مهم لتقييم الآجال والضمانات الإجرائية، وهو ما يقتضي الاطلاع على محضر التوقيف وسجل التوقيف للنظر.

التلبّس والتحقيق الأولي، تكييفان لا يتطابقان

في الصفحة 20 من ردّها على الخبراء، تبرر الحكومة غياب أمر بالقبض بأن الجرائم ارتُكبت «في حالة تلبّس»، وأن قانون الإجراءات الجزائية يجيز في هذه الحالة التوقيف دون أمر قضائي. أما الرواية التي قدّمتها إلى لجنة الحرية النقابية فتضع التوقيف «في إطار تحقيق أولي يتعلق باستعمال حسابات إلكترونية لأغراض الإشادة بالأعمال الإرهابية».

لا يُعدّ وصف الإجراء بأنه «تحقيق أولي» منافيًا تلقائيًا لوجود حالة تلبّس، فقد تتداخل المراحل الإجرائية بحسب الوقائع. غير أن التذرّع بالتلبّس لتبرير توقيف شخص دون أمر قضائي يحتاج إلى بيان الوقائع المادية التي تثبت قيامه، ولا تكفي الإشارة إلى العثور بحوزته على هاتف نقال وحدها لإثبات هذا الوصف. ولم ينشر الرد الحكومي محضر التوقيف الذي يسمح بفحص الأساس الذي اعتمدته السلطات.

الاتصال بالعائلة ومكان الاحتجاز

تردّ الحكومة على ادعاء الاختفاء القسري بالقول إنه «لم يوضع في أي وقت رهن احتجاز سري أو في مكان مجهول»، وإنه تمكّن من الاتصال بعائلته. وتفصّل الصفحة 17 هذه المعطيات، إذ اتصل بشقيقته في 23 مارس 2025 على الساعة التاسعة ليلًا، وزارته والدته وشقيقاه في 25 مارس على الساعة العاشرة، وزارته محاميته في 26 مارس على الساعة العاشرة والنصف.

الرواية الحكومية

اتصال ثم زيارات منتظمة، وغياب كل عنصر من عناصر جريمة الاختفاء القسري.

ما يستدعي التوضيح

تذكر رسالة الخبراء أن الأسرة لم تعرف مكان احتجاز معمري خلال الأيام الأولى، بين 19 و23 مارس 2025. ولا يسجّل الرد الحكومي اتصالًا سابقًا ليوم 23 مارس، وهو ما يجعل الخلاف متعلقًا، على وجه الخصوص، بظروف تلك الفترة الأولى وتحديد مكان الاحتجاز وإبلاغ الأسرة والمحامية به. وتؤكد الحكومة عدم وجود احتجاز سرّي، لكن الرد المنشور لا يحدد بدقة مكان وجوده منذ التوقيف إلى غاية تقديمه إلى النيابة. ويحتاج حسم هذه المسألة إلى سجلات الاحتجاز والإخطار والاتصال.

شهادتان طبيتان في مواجهة الالتزام بالتحقيق

تستند الحكومة إلى شهادتين طبيتين مؤرّختين في 20 و27 مارس 2025، وتعتبرهما دليلًا على عدم تعرّض معمري للتعذيب. ووفق الرد، أُجري أحد الفحصين عند انتهاء التوقيف للنظر يوم 27 مارس، أما الشهادة الأولى فتحمل تاريخ 20 مارس، أي بداية هذه المرحلة وفق التسلسل الحكومي. وتبقى القيمة الإثباتية لكل منهما مرتبطة بمحتواها، وبظروف الفحص، وبالفترة التي تغطيها.

وبحسب رسالة الخبراء الأمميين، أبلغ معمري محاميته يوم 26 مارس 2025 بتعرّضه للضرب خلال اليومين الأولين من الاحتجاز، وللتجريد من الملابس والإهانة، بغرض دفعه إلى توقيع اعترافات. وتشير الرسالة إلى إيداع شكوى بتاريخ 27 مارس 2025 بخصوص هذه الادعاءات. وهي ادعاءات جدّية تستوجب الفحص، ولا تُعدّ ثابتة قضائيًا لمجرد ورودها في رسالة الإجراءات الخاصة.

لا يتناول الرد الحكومي صراحة مآل الشكوى ولا يورد معلومات عن فتح تحقيق مستقل بشأنها، رغم أن الخبراء طلبوا توضيحات محددة. وتُلزم المادة 12 من اتفاقية مناهضة التعذيب السلطات بإجراء تحقيق سريع ونزيه متى وُجدت أسباب معقولة تدعو إلى الاعتقاد بوقوع تعذيب. كما تكفل المادة 13 حق تقديم الشكوى والنظر فيها على وجه السرعة وبنزاهة. ولا يمكن لشهادة طبية، بمفردها، أن تحل محل التحقيق الواجب عندما تتوافر أسبابه القانونية.

وتبرز مسألة أخرى تتعلق بالأقوال المتحصّل عليها أثناء التحقيق. فبحسب رسالة الخبراء، طلب الدفاع استبعاد الاعترافات التي قال إنها انتُزعت تحت الإكراه. وتنص المادة 15 من اتفاقية مناهضة التعذيب على عدم الاستشهاد بالأقوال التي يثبت انتزاعها بالتعذيب، إلا في الحالة المحددة التي تنص عليها الاتفاقية. ويؤكد الرد الحكومي أن معمري أقرّ بملكيته لحساب إلكتروني، لكنه لا يوضح مآل طلب الاستبعاد ولا ما إذا كانت الأقوال محل النزاع قد استُخدمت في الحكم.

الطعن في الحبس المؤقت، بين التأييد وعدم القبول

الرواية الحكومية

في الصفحة 16 من الرد، أصدرت غرفة الاتهام في 15 أفريل 2025 «قرارًا يؤيد» أمر الإيداع في الحبس المؤقت. وأمام لجنة الحرية النقابية، في الفقرة 58، «رُفض الاستئناف الذي قدّمه المعني في 15 أفريل 2025». والصيغتان متوافقتان فيما بينهما.

ما يستدعي التوضيح

تتحدث رسالة الخبراء عن إبلاغ معمري بأن طعنه في أمر الحبس المؤقت لم يُقبل شكلًا بسبب فوات الآجال، رغم إيداعه، بحسب المعلومات الواردة فيها، في اليوم نفسه الذي صدر فيه الأمر المطعون فيه. والفرق قانوني بين قرار ينظر في الطعن ويؤيّد الحبس، وقرار يقضي بعدم قبوله شكلًا دون فحص الموضوع. ولا يكفي اختلاف الصيغتين للجزم بوقوع مخالفة، إذ ينبغي الاطلاع على القرار الأصلي لغرفة الاتهام لمعرفة طبيعة الفصل في الطعن. وتكفل المادة 9 (4) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية الحق في عرض مشروعية الاحتجاز على القضاء.

وإلى جانب ذلك، تقدّم الحكومة أساسًا قانونيًا صريحًا لمدة التوقيف للنظر، وهي ثمانية أيام مددها وكيل الجمهورية بموجب أحكام خاصة بالجرائم الإرهابية. ويبقى أن المادة 9 (الفقرة 3) من العهد تقتضي تقديم كل موقوف «في أسرع وقت» أمام قاضٍ أو سلطة مخوّلة قضائيًا، وأن التعليق العام رقم 35 للجنة المعنية بحقوق الإنسان يوضح في الفقرة 12 أن التوقيف قد يكون مأذونًا به في التشريع الداخلي ويبقى مع ذلك تعسفيًا، وفي الفقرة 17 أن الاحتجاز الذي يعاقب على الممارسة المشروعة لحقوق مضمونة يكون تعسفيًا. فالمطابقة للقانون الداخلي، وهي محور الدفاع الحكومي، لا تُغني عن فحص الملاءمة والضرورة والتناسب.

البعد النقابي وعبارة «خارج الأطر القانونية»

تؤكد الحكومة أن الإجراء المتخذ لا علاقة له بالحرية النقابية، لكنها تضيف في الصفحة 19 أن الوقائع «لا تندرج ضمن الحريات النقابية المحمية، بل تتعلق بإنشاء منظمات أو جمعيات خارج الأطر القانونية المقررة»، وتستنتج من ذلك أنها غير مشمولة بحماية المادة 22 من العهد الدولي.

وهنا ينتقل النقاش من الوقائع إلى التكييف القانوني. فالمادة 2 من اتفاقية منظمة العمل الدولية رقم 87، التي صدّقت عليها الجزائر في 19 أكتوبر 1962، تضمن للعمال حق تكوين المنظمات التي يختارونها دون ترخيص مسبق، مع إقرار أجهزة الرقابة بأن إجراء التسجيل في حد ذاته مقبول ما دام شكليًا وغير تقديري. ومسألة تسجيل الكوزيفوب ليست إذن مسألة فرعية في هذا الملف، لأنها موضوع التوصية 77 (أ) التي تحثّ الحكومة على الدخول دون تأخير في مناقشات مع ممثلي المنظمة الشاكية بشأن الاعتراف والتسجيل، وعلى توضيح وضعية المنظمات المنتسبة، وعلى تمكينها من مقر تعقد فيه اجتماعاتها.

ويظهر البعد الإداري للقضية في الفقرة 58 من التقرير الـ415، حيث تنقل اللجنة عن الحكومة أن معمري «ترك منصبه» في مارس 2025، قبل أن يتقرر توقيفه عن العمل في 19 أفريل من السنة نفسها. وبالنظر إلى أن التوقيف الأمني وقع يوم 19 مارس، ثم بدأ الحبس المؤقت يوم 27 مارس، يبقى السؤال عن كيفية احتساب الغياب الإداري خلال فترة الاحتجاز، وعن الإجراءات التي اتخذتها الإدارة للتحقق من سببه. ولا تكفي هذه المعطيات وحدها للجزم بأن التوقيف الإداري كان انتقامًا نقابيًا، لكنها تستدعي توضيحًا في ضوء التسلسل الزمني المعروف للسلطات.

ويُلاحظ أيضًا أن الرد المقدَّم إلى الأمم المتحدة لا يتضمن، في ثلاثين صفحة، أي ذكر لمنظمة العمل الدولية سوى إشارة واحدة إلى تصديق الجزائر على الاتفاقية رقم 87، ولا يذكر لجنة الحرية النقابية ولا القضية رقم 3434. ويمكن تفسير ذلك بأن لكل آلية قناتها الخاصة، فالحكومة تراسل اللجنة عبر مكتب العمل الدولي لا عبر مجلس حقوق الإنسان. غير أن رسالة الخبراء استندت صراحة إلى أعمال اللجنة وإلى ملاحظات لجنة الخبراء لسنة 2025، فكان تناول هذه النقطة متوقعًا. ويُسجَّل أيضًا أن الرد يعدّد في صفحته الثالثة سبعة من المكلفين بولايات بينما وقّع الرسالة ثمانية، والولاية الغائبة من التعداد هي المقررة الخاصة المعنية بالحق في حرية التجمع السلمي وفي تكوين الجمعيات، مع أن الرد تناول الادعاءات النقابية في محور مستقل.

هل يرتبط التسلسل الزمني بالأنشطة النقابية

تُظهر الوقائع الموثّقة أن الكوزيفوب أحالت معلومات تتعلق بوضعية معمري إلى لجنة الحرية النقابية في 11 فيفري 2025، ثم انعقدت الجمعية العامة النقابية في 15 مارس، قبل توقيفه بأربعة أيام. وتشير رسالة الخبراء الأمميين إلى أن التوقيف جاء بعد فترة من النشاط النقابي المكثف. ويجعل هذا التسلسل فحصَ احتمال ارتباط الإجراءات بنشاطه أمرًا ضروريًا، دون أن يثبت وحده وجود علاقة سببية.

وتتضمن رسالة الخبراء عناصر إضافية، إذ تفيد بأن محاضر التحقيق تضمنت مراسلات بين معمري وأعضاء في الكوزيفوب، ومن بينهم رئيس الكنفدرالية، وأن بعض هذه الاتصالات وُصفت بأنها ذات طابع تخريبي. وتذكر الرسالة أيضًا مقطع فيديو متعلقًا بأوضاع العمال قالت إنه لم يُنشر. أما الحكومة فتتحدث عن اتصالات بأشخاص تسميهم «مخرّبين»، من دون أن تتضمن النسخة المنشورة من ردها ما يكفي لتقييم الأدلة المرتبطة بكل اتصال على حدة.

ومع ذلك، لا تسمح المواد المنشورة بالجزم بأن الإدانة القضائية استندت إلى النشاط النقابي في حد ذاته، فالأحكام الكاملة غير متاحة في الوثائق المستخدمة هنا. وهذا ما يفسر أهمية طلب لجنة الحرية النقابية في الفقرة 73 الحصول على القرارات القضائية ومضمون المنشورات التي بُنيت عليها المتابعة. فهذه المواد أساسية للفصل بين النشاط النقابي المشروع والأفعال التي تعتبرها السلطات جرائم.

محمد تاجاديت، الوجه الثاني للبلاغ المشترك

شملت رسالة الخبراء الأمميين محمد تاجاديت أيضًا، على خلفية قضايا تتعلق بحرية التعبير واستخدام تشريعات مكافحة الإرهاب. وتعرض الحكومة في ردها عدة إجراءات قضائية تتعلق بالشاعر والناشط في الحراك. وتذكر أن محكمة ابتدائية في الجزائر أدانته يوم 11 نوفمبر 2025 بخمس سنوات حبسًا، وأن مجلس قضاء الجزائر خفّض العقوبة في 14 جانفي 2026 إلى ثلاث سنوات، منها سنة مع وقف التنفيذ، وأن الدفاع والنيابة طعنا بالنقض يوم 22 جانفي 2026. وتؤكد السلطات أن هذه الإجراءات جرت تحت رقابة القضاء واحترمت حقوق الدفاع.

وتثير رسالة الخبراء أيضًا مسألة إعادة تكييف الاتهامات وإضافة مواد جنائية قد تعرّض تاجاديت لعقوبة أشد. وقد عاد ستة خبراء أمميين في بيان مؤرّخ 28 أفريل 2026 إلى التحذير من الملاحقات والتهم الجديدة، ومنها ما قد يعرّضه لعقوبة الإعدام. وتبقى كل مرحلة قضائية موضوعًا مستقلًا ينبغي عدم الخلط فيه بين الإجراءات السابقة والجديدة.

وكان الفريق العامل المعني بالاحتجاز التعسفي قد أصدر الرأي رقم 45/2022 بشأن احتجاز تاجاديت وأربعة أشخاص آخرين في إجراءات سابقة، واعتبر الاحتجاز تعسفيًا وفق الفئات التي تناولها الرأي. وهذه النتيجة تخص تلك الوقائع ولا تُعدّ حكمًا تلقائيًا بشأن المتابعات اللاحقة. كما لا ينبغي الخلط بين رسالة الادعاء المشتركة والإجراء المستقل الذي يمكن أن ينظر فيه الفريق العامل عند تلقي طلب رأي جديد.

لماذا تُعدّ موثوقية المعلومات المقدَّمة للآليات الدولية مسألة مصداقية

ليس كل اختلاف بين الرسائل الموجهة إلى المؤسسات الدولية تناقضًا ثابتًا. فقد تتناول المراسلات مراحل مختلفة من الملف أو تستخدم أوصافًا إجرائية متباينة. لكن ذلك لا يُلغي وجود أسئلة دقيقة بشأن تاريخ التوقيف، وطبيعة القرار الصادر في الطعن بالحبس، ومكان الاحتجاز خلال الأيام الأولى، ومصير شكوى التعذيب، ومدى إطلاع لجنة الحرية النقابية على الأحكام القضائية.

تُقاس مصداقية المعلومات المقدّمة إلى آليات الرقابة الدولية بدرجة دقتها وقابليتها للتحقق. وعندما تسجّل لجنة الحرية النقابية أنها علمت بتطور قضائي جوهري من معلومات عامة بدل المراسلات الحكومية، فإن ذلك يضعف قدرة اللجنة على تقييم القضية في الوقت المناسب، ويثير تساؤلًا مشروعًا بشأن استكمال التعاون مع مؤسسات الرقابة. وهذه قراءة لآثار نقص المعلومات، وليست عقوبة أو حكمًا رسميًا من الأمم المتحدة أو منظمة العمل الدولية على مصداقية الجزائر.

الأسئلة التي تنتظر جوابًا

ما الموقع الذي احتُجز فيه علي معمري بين 19 و27 مارس 2025، ومتى أُبلغت عائلته ومحاميته بذلك؟ ما مصير الشكوى المتعلقة بالتعذيب، وهل فُتح تحقيق مستقل بشأنها؟ هل بُتّ في طلب استبعاد الأقوال التي طعن الدفاع في سلامة الحصول عليها؟ وهل نظرت غرفة الاتهام في طعن الحبس المؤقت من حيث الموضوع أم صرّحت بعدم قبوله شكلًا؟ وعلى أي أساس وُصفت بعض الاتصالات بأنها تخريبية؟ وهل حصلت لجنة الحرية النقابية على نسخ الأحكام التي طلبتها؟

الإجابة الدقيقة عن هذه الأسئلة تتطلب الاطلاع على المستندات والسجلات والقرارات القضائية ذات الصلة، وتقديم التوضيحات التي طلبتها الآليات الدولية. وتؤكد الكوزيفوب أهمية احترام ضمانات العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية واتفاقية مناهضة التعذيب، والتعاون الجدي مع لجنة الحرية النقابية في القضية رقم 3434. وتبقى الشفافية وتقديم الوثائق اللازمة السبيل إلى تقييم الوقائع وإزالة الالتباس وحماية الحقوق النقابية والقضائية.

🎥 قضية النقابي علي معمري | فيديو إنفوغرافيا

شاهد فيديو الإنفوغرافيا الذي أعدّته الكنفدرالية النقابية للقوى المنتجة (الكوزيفوب) حول قضية النقابي علي معمري.

إنتاج الكنفدرالية النقابية للقوى المنتجة – COSYFOP

www.cosyfop.org

📬 هل أعجبك هذا المقال؟ اشترك في نشرتنا البريدية لتصلك آخر الأخبار والبيانات الهامة مباشرة إلى بريدك.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *