🗓️ نُشر بتاريخ: 01/10/2026
في العشرين من سبتمبر 2026 نشرت الكنفدرالية النقابية للقوى المنتجة دراستها حول تهاوي القدرة الشرائية والكلفة الحقيقية للمعيشة في الجزائر، ولم تمض عشرة أيام حتى انتقلت أرقامها من وثيقة نقابية إلى مواقع الشبكات النقابية الدولية وقنوات الصحفيين المستقلين، فيما امتلأت صفحات صحف محلية بأسعار مماثلة دونها صحفيوها في الأسواق، قبل أن يقر وزير الداخلية نفسه بأنه لم يشهد في حياته أسعارا كالتي تعرفها الأسواق اليوم. وهذا المسار القصير يؤكد أن الغلاء لم يعد شأنا يمكن التهوين منه أو تأجيله، وأن ما وثقته الدراسة بالأرقام صار حديث الشارع والصحافة والسلطة في آن واحد، بينما يبقى السؤال الحقيقي معلقا، وهو متى يلتحق الأجر بالأسعار.
ما الذي كشفته الدراسة
اعتمدت الدراسة على تحقيق ميداني أجرته فرق الكنفدرالية وأعضاؤها يوم 14 سبتمبر 2026 في أسواق ولايات الجزائر العاصمة وتيزي وزو وسطيف وقالمة ووهران وورقلة، ثم قورنت الأسعار المعلقة على طاولات الباعة بالمراجع الإدارية الصادرة عن مديريات التجارة، فتبين أن 17 منتوجا من أصل 18 منتوجا قابلا للمقارنة المباشرة تباع فوق متوسط السعر الإداري المعلن، بفارق وسيط بلغ 15,2 بالمائة. وقد نشرت الكنفدرالية شريطا قصيرا يجمع صور هذه الأسعار كما كتبها التجار أنفسهم على ألواحهم، حتى يرى القارئ بعينه ما يدفعه المواطن فعلا قبل أن يقرأ الجداول.
ولم تقف الدراسة عند الأسعار، بل حسبت الكلفة الشهرية لقفة غذائية بسيطة لأسرة من زوجين وطفلين في الخامسة والعاشرة من العمر، فبلغت 34150 دينارا، أي ما يعادل 156 بالمائة من الأجر الوطني الأدنى المضمون الصافي، في حين تتراوح الميزانية الشهرية الكاملة لهذه الأسرة بين 74669 دينارا إذا كانت تملك مسكنها و118055 دينارا إذا كانت تستأجر مسكنا في العاصمة. أما الأجر الوطني الأدنى المضمون، الذي حدده المرسوم الرئاسي رقم 26-01 المؤرخ في 7 جانفي 2026 بـ24 ألف دينار خام في الشهر (أي 21840 دينارا صافيا بعد اقتطاع اشتراك الضمان الاجتماعي)، فلا يغطي سوى ما بين 18 و29 بالمائة من ميزانية هذه الأسرة، ولا يتجاوز 63 بالمائة من حاجات عامل يعيش بمفرده دون أن يدفع أي قسط سكن.
قفة الغذاء وحدها أغلى من الأجر الأدنى الصافي
مبالغ شهرية بالدينار الجزائري بأسعار 14 سبتمبر 2026، للأسرة المرجعية المكونة من زوجين وطفلين
وتبين الحسابات أن مجرد استدراك ما التهمه التضخم من القيمة الحقيقية للأجر الأدنى يقتضي رفعه إلى نحو 28 ألف دينار خام، وهو مرجع تقني لا يمثل مطلبا لأنه لا يعيد للعامل سوى ما فقده. ولذلك تطالب الكنفدرالية برفع الأجر الوطني الأدنى المضمون إلى 35 ألف دينار خام على الأقل كمرحلة أولى ابتداء من سنة 2027، وهو مستوى يغطي نحو 90 بالمائة من ميزانية عامل يعيش بمفرده دون قسط سكن، ولا يكفي وحده لإعالة أسرة حتى لو اجتمع في البيت الواحد أجران من هذا المستوى.
ويقترن هذا المطلب بجملة من التوصيات، أبرزها فتح مفاوضة ثلاثية حول مسار تدريجي لرفع الأجور، وإقرار آلية منتظمة لمراجعة الأجر الأدنى تراعي التضخم وأسعار الغذاء وحاجات العمال وأسرهم والموارد الفعلية المتأتية من المحروقات، ورفع قيمة النقطة الاستدلالية في الوظيفة العمومية التي حددها المرسوم الرئاسي رقم 07-304 بـ45 دينارا ولم تتغير منذ 2007، فضلا عن إلزام مديريات التجارة بنشر معاينات أسعار مؤرخة حسب الولاية والسوق، وإنشاء مرصد دائم لكلفة المعيشة تشارك فيه النقابات وجمعيات المستهلكين والديوان الوطني للإحصائيات وفق منهجية منظمة العمل الدولية.
صدى يتجاوز الحدود
لم تبق الدراسة حبيسة موقع الكنفدرالية، إذ نشرت الشبكة النقابية الدولية للتضامن والنضالات على موقعها يوم 27 سبتمبر 2026 عرضا مفصلا لنتائجها باللغة الفرنسية تحت عنوان «كلفة المعيشة في الجزائر»، مرفقا برابط مباشر نحو النص الكامل، فصارت أرقام الأسواق الجزائرية في متناول النقابيين المنخرطين في هذه الشبكة وقرائها، وهو ما يمنح المطلب الاجتماعي للعمال الجزائريين سندا تضامنيا يتجاوز الحدود.
وفي الوقت ذاته تلقف صحفيون مستقلون الدراسة بالتحليل والشرح، وفي مقدمتهم الصحفي عبدو سمار مؤسس موقع «ألجيري بارت»، الذي خصص لها حلقة تحليلية مفصلة على قناته في يوتيوب قارن فيها أجرا أدنى لا يتعدى 24 ألف دينار بميزانية أسرة تبلغ 118 ألف دينار في الشهر، تحت عنوان يختزل المفارقة في جزائر يزداد فيها الناس فقرا وهم يعملون. وقد حصدت الحلقة عشرات الآلاف من المشاهدات على يوتيوب وحده، وتداولها الجزائريون على نطاق واسع في شبكات التواصل الاجتماعي، فخرجت أرقام الدراسة من دائرة المختصين إلى نقاش عام يشارك فيه المواطن الذي يعيش هذه الأرقام كل يوم في قفته.
الصحافة المحلية تنزل إلى الأسواق
وفي الأيام الأخيرة بدأت صحف محلية تكسر حاجز الخوف وتفتح صفحاتها لشكاوى المواطنين، فلم تعد تكتفي بنقل البيانات الرسمية المطمئنة، بل نزل صحفيوها إلى الأسواق ودونوا الأسعار كما هي على طاولات الباعة ونقلوا ما يقوله الناس عن قفتهم.
ففي يومية «أخبار اليوم» نشرت الصحفية نسيمة خباجة يوم 27 سبتمبر 2026 استطلاعا ميدانيا وصفت فيه الأسعار بالنار التي تعم الأسواق الشعبية، إذ لم ينزل سعر البطاطا عن 120 دينارا للكيلوغرام طوال الصيف، وعرض الخس بـ280 دينارا والفلفل الحلو بـ180 دينارا، فيما بلغ سعر صفيحة البيض 670 دينارا. ونقلت الصحفية عن ربة بيت أنها صارت تشتري الخضر بالغرامات بدل الكيلوغرامات حفاظا على توازن ميزانية أسرتها، وعن مواطن قوله إن الفواكه غابت عن مائدته منذ مدة وإنه يواجه اليوم التهاب أسعار الخضر والدواجن والبيض والسمك، بينما لجأت أسر كثيرة إلى العجائن والبقوليات حلا اضطراريا يقيها الاختلال مع نفقات الدخول المدرسي والاجتماعي.
وفي اليوم نفسه رصدت الصحفية أسماء بهلولي لمنصة «الترا جزائر» أسعار الخضر بين 120 و350 دينارا للكيلوغرام، فسجلت البطاطا والطماطم بـ120 دينارا، وهو الرقم ذاته الذي دونته فرق الكنفدرالية في تحقيقها الميداني قبل أسبوعين، والجزر بـ200 دينار والسلطة بـ300 دينار والفاصوليا الخضراء بـ350 دينارا. أما موقع «مغرب إيمرجنت» فنقل يوم 30 سبتمبر شهادات تجار الجملة، ومنهم تاجر في سوق يومي للخضر والفواكه بولاية تيزي وزو أكد أن تجار التجزئة الذين كانوا يقصدونه كل يوم تقريبا صاروا لا يشترون إلا مرتين أو ثلاث مرات في الأسبوع، وهي علامة على أن الطلب يتراجع بينما تبقى الأسعار مرتفعة، أي أن القدرة الشرائية للأسر بلغت حدودها.
وفي السياق ذاته دعت المنظمة الجزائرية لحماية المستهلك «حمايتك»، في بيان أصدرته أواخر سبتمبر، إلى الانتقال من التدخل الظرفي إلى ضبط دائم واستباقي للسوق بآليات واضحة، وهو مطلب يلتقي مع توصية الكنفدرالية بإنشاء مرصد دائم لكلفة المعيشة يرصد الأسعار قبل أن تنفجر في وجه المواطن.
حين يعترف الوزير بما وثقته الدراسة
وبلغ الملف ذروته أواخر سبتمبر، حين علق وزير الداخلية والجماعات المحلية والنقل السعيد سعيود على موجة الغلاء خلال تنصيب الوالي الجديد لولاية قصر البخاري، فقال إنه لم يشهد طوال ستين عاما من عمره أسعارا كهذه، مستغربا أن يبلغ سعر الطماطم 200 دينار في شهر أوت وهو موسم جنيها، وأضاف بحسب ما نقلته صحيفة «الخبر» أن «من يحب الجزائريين والجزائر لا يبيع الطماطم بـ200 دج في شهر أوت». كما اعتبر، وفق ما أوردته «النهار»، أن الأرقام القياسية التي يعلنها القطاع الفلاحي لا تستقيم مع بلوغ سعر البطاطا 140 دينارا، وحمّل تعدد الوسطاء مسؤولية مضاعفة الأسعار، متوعدا بتدخل الدولة «بالقوة اللازمة»، وهو تصريح تناقلته صحف ومواقع عدة من بينها «تي إس آ» و«لوجون أندبندان» ومنصة «أوراس».
إن هذا الاعتراف يؤكد ما خلصت إليه الدراسة من فجوة بين الأسعار التي يدفعها المواطن فعلا والمراجع الإدارية المعلنة، ويسقط في الوقت ذاته التفسير الموسمي الذي يقدمه بعض ممثلي التجار حين يردون الارتفاع إلى مرحلة انتقالية بين موسمين تنتهي بدخول منتوج أكتوبر، لأن الوزير نفسه تحدث عن أسعار شهر أوت في عز موسم الجني، ولأن البطاطا لم تنزل عن 120 دينارا طوال الصيف كما وثقت «أخبار اليوم». وقد نبه الخبير الاقتصادي والنائب البرلماني السابق أحمد بلجيلالي في تصريح لمنصة «أوراس» إلى أن معدل التضخم المعلن رسميا لا يبرر هذا الارتفاع بحجمه الحالي، مضيفا أنه إذا ثبت بالتحقيق الميداني أن هذه الأسعار حقيقية فإن المسألة تحيل إلى مستوى الدخل ذاته ومدى حاجته إلى المراجعة، وهذا بالضبط ما ذهبت إليه الدراسة حين انطلقت من الأسعار المعاينة في الأسواق لتصل إلى مسألة الأجر.
الفجوة التي كشفتها الدراسة فجوة أجور قبل أن تكون فجوة أسعار
غير أن الجواب الرسمي يبقى ناقصا، لأنه يحصر المشكلة في جشع المضاربين والوسطاء ويتجاهل نصفها الآخر المتمثل في الأجر، فحتى لو عادت الأسعار غدا إلى مستوياتها الإدارية ستبقى قفة الغذاء وحدها أغلى من الأجر الأدنى الصافي، وسيبقى هذا الأجر بعيدا كل البعد عن تغطية ميزانية أسرة، لأن الفجوة التي كشفتها الدراسة فجوة أجور قبل أن تكون فجوة أسعار. ولذلك فإن حماية القدرة الشرائية لا تتحقق بملاحقة الوسطاء وحدها، بل تبدأ برفع الأجور إلى مستوى يسمح للعامل بأن يعيش من عمله بكرامة.
من الدراسة إلى التوقيع
ومن هذا المنطلق أطلقت الكنفدرالية النقابية للقوى المنتجة حملة وطنية إلكترونية لجمع التوقيعات على رسالة جماعية موجهة إلى رئيس الجمهورية، تطالب برفع الأجر الوطني الأدنى المضمون إلى 35 ألف دينار، حتى يصل صوت العمال وأسرهم إلى أعلى هرم الدولة بلغة الأرقام التي لم يعد أحد قادرا على إنكارها. ويتم التوقيع في دقيقة واحدة على موقع الكنفدرالية، ويُؤكَّد كل توقيع عبر البريد الإلكتروني دون أن تُنشر أسماء الموقعين، ويبقى باب التوقيع مفتوحا إلى غاية 25 ديسمبر 2026، على أن تُوجَّه الرسالة إلى رئاسة الجمهورية يوم 29 ديسمبر 2026.
إن الغلاء الذي يعترف به الوزير اليوم وثقته فرق الكنفدرالية في الأسواق قبل أسبوعين، والأسعار التي تنقلها الصحافة اليوم سبق للدراسة أن وضعتها بين أيدي الجميع، وما ينقص الآن هو أن يتحول هذا الإجماع على التشخيص إلى قرار يعيد للأجر قيمته. ولذلك ندعو كل عامل وكل أسرة وكل من يؤمن بأن العمل يجب أن يضمن عيشا كريما إلى التوقيع على الرسالة ونشر رابطها على أوسع نطاق، لأن كل توقيع إضافي يجعل رسالة 29 ديسمبر أقوى وأصعب على التجاهل.
📬 هل أعجبك هذا المقال؟ اشترك في نشرتنا البريدية لتصلك آخر الأخبار والبيانات الهامة مباشرة إلى بريدك.