في إطار المقابلة التي أجراها رئيس الكنفدرالية النقابية للقوى المنتجة، رؤوف ملال، مع إذاعة راديو من لا صوت له، تم التطرق إلى ثلاث قضايا اعتبرها رئيس الكنفدرالية من أخطر التحديات التي تواجه العمل النقابي في الجزائر اليوم وهي أكذوبة التعددية النقابية في الجزائر ومخاطرها على العمل النقابي، ما قامت به الكنفدرالية من إجراءات دولية حول المادة 87 مكرر من قانون العقوبات وتأثيراتها على الحريات النقابية، وطبيعة العلاقة المعقدة بين النقابات المستقلة الجزائرية والاتحاد الدولي للنقابات.

التعددية النقابية في الجزائر: تعددية شكلية لتشتيت العمال وإضعاف النقابات المستقلة

أكد رئيس الكنفدرالية النقابية للقوى المنتجة، رؤوف ملال، أن الحديث الرسمي عن “التعددية النقابية” في الجزائر لا يعكس حقيقة الوضع القائم على الأرض، لأن التعددية الحقيقية لا تُقاس بعدد النقابات الموجودة على الورق والتي تقدرها السلطة بأكثر من 130 منظمة مسجلة، بل بمدى قدرة العمال على بناء تنظيمات مستقلة وقوية وقادرة على النشاط بحرية داخل مختلف القطاعات.

وأوضح أن السلطة الجزائرية تسمح بوجود تعددية نقابية محدودة داخل بعض القطاعات غير الاستراتيجية، مثل قطاعي التربية والصحة، بينما يتم عمليًا غلق المجال أمام أي تعددية نقابية فعلية داخل قطاعات حساسة واستراتيجية كالبريد، والمحروقات، والضمان الاجتماعي. وهذا الأمر، بحسب ملال، يكشف أن التعددية الموجودة ليست تعددية قائمة على حرية التنظيم، بل تعددية انتقائية تخضع لحسابات سياسية وأمنية دقيقة.

وأشار إلى أن الجزائر لا تعرف فعليًا وجود تعددية نقابية في المركزيات النقابية، باستثناء الاتحاد العام للعمال الجزائريين الذي ما يزال يحتكر ال الفضاء النقابي. وتبقى الكنفدرالية النقابية للقوى المنتجة، رغم كونها مركزية نقابية معتمدة قانونيًا، تعاني من عرقلة فعلية لنشاطها، ومن تضييق متواصل على مناضليها وأعضائها، ما يكشف حدود الخطاب الرسمي حول احترام التعددية.

ويرى ملال أن أخطر ما حدث خلال السنوات الأخيرة هو تحويل مفهوم التعددية النقابية إلى أداة لتشتيت العمال وإضعاف النقابات المستقلة بدل تقويتها. واستشهد في هذا السياق بما وقع داخل قطاع التربية، حيث تمكنت نقابة الكناباست، خلال الفترة الممتدة بين 2003 و2007، من فرض مكاسب اجتماعية ومهنية مهمة لفائدة العمال بفضل قوتها التنظيمية ووحدة قواعدها النقابية. لكن هذه القوة تعرضت لاحقًا إلى إضعاف تدريجي بعد السماح بظهور عشرات التنظيمات النقابية المنافسة داخل القطاع نفسه.

وبحسب رئيس الكنفدرالية، فإن تسهيل تسجيل واعتماد أكثر من ثلاثين نقابة داخل قطاع التربية لم يكن تطورًا طبيعيًا يعكس حيوية العمل النقابي، بل جاء في كثير من الأحيان ضمن سياق تحكمه اعتبارات أمنية وسياسية هدفها خلق حالة من التشتت والمنافسة الداخلية، بما يؤدي إلى إضعاف قدرة النقابات المستقلة على التفاوض والضغط وتحقيق المكاسب.

وأضاف أن السلطة أدركت، بعد التجربة التي قادتها الكناباست في بداية الألفية، أن الخطر الحقيقي لا يكمن في وجود نقابة مستقلة فقط، بل في وجود نقابة مستقلة قوية وموحدة وقادرة على فرض توازن داخل القطاع. ولهذا تحولت “التعددية” إلى وسيلة لإنتاج عشرات التنظيمات الصغيرة والمتنافسة التي تُضعف بعضها البعض وتفقد العمال القدرة على بناء قوة نقابية جماعية حقيقية.

المادة 87 مكرر: من قانون لمكافحة الإرهاب إلى أداة تهدد العمل النقابي والحقوقي

وفي حديثه عن المادة 87 مكرر من قانون العقوبات، أكد رؤوف ملال أن الكنفدرالية النقابية للقوى المنتجة تعتبر هذه المادة واحدة من أخطر التهديدات التي تواجه الحريات النقابية والحقوقية في الجزائر، بسبب طبيعتها الفضفاضة وإمكانية استعمالها ضد الأنشطة السلمية والمشروعة.

وأوضح أن الكنفدرالية قامت خلال السنوات الأخيرة بتقديم عدة شكاوى ومراسلات أمام منظمة العمل الدولية بخصوص هذه المادة، انطلاقًا من المخاوف المتعلقة بإمكانية استعمال تشريعات مكافحة الإرهاب ضد العمل النقابي والنشاط الحقوقي. وأضاف أن هذه الجهود ساهمت، بعد سنوات من المتابعة والضغط، في دفع لجنة الخبراء التابعة لمنظمة العمل الدولية إلى إصدار طلب مباشر للحكومة الجزائرية بخصوص المادة 87 مكرر.

ويرى ملال أن هذا التطور يحمل أهمية سياسية وقانونية كبيرة، لأن لجنة الخبراء لا تطلب توضيحات بشأن نص قانوني معين إلا عندما تكون هناك مؤشرات جدية على وجود إشكال يتعلق بتطبيقه أو بتأثيره المحتمل على الحقوق والحريات المحمية بموجب اتفاقيات العمل الدولية.

وأشار إلى أن الكنفدرالية تعتبر أن الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في النص القانوني نفسه، بل في طريقة استعماله داخل مناخ سياسي وأمني يتجه بشكل متزايد نحو أمننة النشاط المدني والنقابي. فبحسب رصد الكنفدرالية، تم خلال السنوات الأخيرة تطبيق المادة 87 مكرر ضد عدد من الحقوقيين والنقابيين والمدافعين عن الحريات، ما أدى إلى سجن بعضهم لفترات طويلة تحت غطاء مكافحة الإرهاب.

وأكد ملال أن هذا التطور خطير للغاية، لأنه ينقل العمل النقابي من خانة “الخلاف الاجتماعي” إلى خانة الاشتباه الأمني، ويخلق مناخ خوف دائم داخل النقابات المستقلة والمجتمع المدني. فعندما يصبح النقابي أو الحقوقي معرضًا للمتابعة بتشريعات مرتبطة بالإرهاب بسبب نشاطه السلمي، فإن الأمر لا يتعلق فقط بانتهاك قانوني، بل بتحول سياسي يمس طبيعة العلاقة بين الدولة والمجتمع.

وأضاف أن الكنفدرالية لا تنظر إلى هذا الملف باعتباره قضية تقنية أو قانونية فقط، بل تعتبره معركة أساسية للدفاع عن المجال المدني والنقابي في الجزائر، لأن توسيع استعمال التشريعات الأمنية ضد النشاط السلمي يهدد مستقبل الحريات العامة بأكملها، وليس فقط العمل النقابي.

النقابات المستقلة والاتحاد الدولي للنقابات: من الدعم السياسي إلى مرحلة الغموض والتراجع

أما بخصوص العلاقة مع الاتحاد الدولي للنقابات، فقد وصفها رئيس الكنفدرالية بالعلاقة المعقدة والمتغيرة، موضحًا أن هذا الاتحاد كان قبل سنة 2019 أكثر دعمًا للنقابات المستقلة الجزائرية، غير أن هذا الموقف عرف تحولًا واضحًا بعد إبعاد الأمين العام السابق للاتحاد العام للعمال الجزائريين عبد المجيد سيدي السعيد.

ويرى ملال أن جزءًا من الدعم الذي كانت تستفيد منه النقابات المستقلة الجزائرية في تلك المرحلة لم يكن مرتبطًا فقط بقناعة مبدئية بالدفاع عن الحرية النقابية، بل تأثر أيضًا بالصراعات والتوازنات داخل الحركة النقابية الدولية نفسها. وأشار إلى أن سيدي السعيد كان يعيش آنذاك خلافات مع بعض دوائر النفوذ داخل الاتحاد الدولي للنقابات، خاصة في ظل طموحه، بحسب تقديره، إلى الدفع بشخصية نقابية من القارة الإفريقية نحو قيادة هذه الهيئة الدولية.

وأضاف أن كثيرًا من النقابات المستقلة الجزائرية لم تكن تستوعب طبيعة هذه التوازنات، وكانت تعتقد أن الدعم الدولي الذي تتلقاه يستند بالكامل إلى مبادئ الحرية النقابية والتضامن النقابي الدولي. غير أن التطورات التي أعقبت سقوط سيدي السعيد، ثم دخوله السجن لاحقًا، كشفت — بحسب ملال — أن الملف كان أكثر تعقيدًا، وأن جزءًا من المواقف الدولية كان مرتبطًا أيضًا بإعادة ترتيب موازين النفوذ داخل الحركة النقابية الدولية.

وأشار رئيس الكنفدرالية إلى أن ما يؤكد هذا التحول هو الوضع الحالي للنقابات المستقلة الجزائرية داخل الاتحاد الدولي للنقابات، حيث أصبحت النقابة المستقلة العامة للعمال في الجزائر وهي النقابة المستقلة الوحيدة المنخرطة داخله شبه مجمدة، في وقت تراجع فيه مستوى الدعم السياسي والاهتمام الدولي بالملف النقابي الجزائري مقارنة بما كان عليه قبل سنة 2019.

وختم ملال بالتأكيد على أن هذه التجربة أظهرت للنقابات المستقلة الجزائرية ضرورة بناء استقلاليتها السياسية والتنظيمية وعدم رهن مصيرها بالكامل بالدعم الخارجي أو بالتوازنات الدولية، لأن الدفاع الحقيقي عن الحريات النقابية يبدأ أولًا من قدرة النقابات نفسها على بناء قوة تنظيمية مستقلة، وعلى توثيق الانتهاكات وطرحها بشكل مباشر أمام الرأي العام الوطني والدولي.

L’Algérie bientôt examinée par l’ONU sur les droits syndicaux

Source : Radio des sans voix  ·  Publié le 29 avril 2026

Analyse

Le président du COSYFOP décrit sa relation avec la Confédération syndicale internationale (CSI) comme complexe et fluctuante. Avant 2019, la CSI soutenait davantage les syndicats indépendants algériens. Ce soutien s’est nettement affaibli après l’éviction d’Abdelmadjid Sidi Saïd, ex-secrétaire général de l’UGTA.

Selon Mellal, une partie de ce soutien international n’était pas uniquement fondée sur des convictions de principe en faveur de la liberté syndicale : elle était aussi influencée par les luttes d’influence internes à la CSI, notamment les ambitions de Sidi Saïd de porter un dirigeant africain à la tête de l’organisation internationale.

Beaucoup de syndicats indépendants algériens croyaient alors que le soutien reçu reposait entièrement sur des principes de solidarité syndicale. La chute puis l’emprisonnement de Sidi Saïd a révélé que le dossier était bien plus complexe, et que certaines positions internationales étaient liées à des reconfigurations de pouvoir au sein du mouvement syndical mondial.

Aujourd’hui, le seul syndicat indépendant algérien affilié à la CSI est pratiquement gelé, et l’intérêt international pour le dossier syndical algérien a fortement reculé par rapport à la période pré-2019.

Conclusion

Cette expérience démontre aux syndicats indépendants algériens la nécessité de construire leur autonomie politique et organisationnelle, sans s’en remettre entièrement au soutien extérieur ou aux équilibres internationaux. La véritable défense des libertés syndicales commence par la capacité des syndicats à se doter d’une force organisationnelle propre, à documenter les violations et à les porter directement devant l’opinion publique nationale et internationale.

📬 هل أعجبك هذا المقال؟ اشترك في نشرتنا البريدية لتصلك آخر الأخبار والبيانات الهامة مباشرة إلى بريدك.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *