صادق البرلمان الجزائري، اليوم، على قانون معدل ومتمم لقانون الجنسية الجزائرية. وبغضّ النظر عن الصياغة النهائية التي ستتضح بعد نشر النص في الجريدة الرسمية، فإن المعطيات المتداولة حول هذا التعديل تكشف توجّهًا بالغ الخطورة وهو تحويل الجنسية من حق أصيل وغير قابل للتصرف إلى أداة عقابية تُستخدم لإسكات المعارضين، خصوصًا في الخارج.

يأتي تعديل قانون الجنسية الجزائري في سياق سياسي وأمني متوتر، ويثير مخاوف جدّية من توسيع صلاحيات سحب الجنسية وتحويلها من رابطة قانونية دائمة إلى أداة لمعاقبة الرأي والمعارضة. ترى COSYFOP أن هذا المنحى يتعارض مع المعايير الدولية لحقوق الإنسان، ويهدد الجزائريين في الداخل والخارج، خصوصًا أولئك الذين يتواصلون مع آليات الأمم المتحدة والمقرّرين الخاصين ومنظمة العمل الدولية.

مساس مباشر بجوهر الحق في الجنسية

إن الحق في الجنسية ليس امتيازًا تمنحه السلطة وتسحبه متى شاءت، بل هو حق إنساني أصيل ومكرّس صراحة في المادة 15 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، التي تنص على أنه: “لكل فرد حق التمتع بجنسية ما، ولا يجوز حرمان أي شخص من جنسيته تعسفًا.”

التعديلات المقترحة، كما عُرضت في النقاشات الرسمية وغير الرسمية، تفتح الباب أمام سحب الجنسية على أساس مفاهيم فضفاضة مثل “الإضرار بمصالح الدولة”، أو “المساس بالوحدة الوطنية”، أو “الولاء لجهات أجنبية”. وهي مفاهيم غير منضبطة قانونيًا، سبق للسلطة الجزائرية أن استعملتها على مدى سنوات لتجريم النشاط السياسي والنقابي والحقوقي السلمي.

إعادة إنتاج منطق القمع العابر للقارات بنصوص فضفاضة

التجربة الجزائرية مع القوانين الفضفاضة معروفة، فقد استُخدمت مواد غامضة من قانون العقوبات، وعلى رأسها المادة 87 مكرر سابقًا، لقمع مناضلي الداخل وتجريم العمل النقابي والسياسي تحت عناوين “الإرهاب” و“التخريب” و“المساس بأمن الدولة”.

اليوم، نلاحظ انتقال هذا المنطق نفسه إلى ميدان جديد وهو الجنسية، فبعد أن فشلت السلطة في إخضاع المعارضين داخل البلاد، وبعد أن رفض القضاء في الدول الديمقراطية تسليم معارضين جزائريين مطلوبين لأسباب سياسية، تتجه الحكومة إلى سلاح أخطر، وهو سحب الجنسية من الخارج، في محاولة لمعاقبة المعارضين حيث فشلت آليات القمع التقليدية.

حكومة متطرفة تستهدف حق التواصل مع آليات الأمم المتحدة

الأخطر في هذا القانون ليس فقط سحب الجنسية، بل الغاية السياسية الكامنة وراءه، ففي عدة قضايا معروضة أمام القضاء الجزائري، اعتُبر التواصل مع آليات الأمم المتحدة، بما فيها المقررين الخاصين، والهيئات التعاهدية، ولجنة الحرية النقابية التابعة لمنظمة العمل الدولية—عملاً “تخريبيًا” يضر بمصالح الدولة.

هذا المنطق يشكّل انتهاكًا صريحًا لالتزامات الجزائر الدولية، ويكشف نية واضحة في تجريم الشكاوى الدولية، تخويف المدافعين عن حقوق الإنسان والنقابيين، وقطع الطريق أمام أي رقابة أممية فعالة وذلك بالطعن في انعدام الجنسية الجزائرية للشخص الشاكي خصوصا أمام هيئات مثل منظمة العمل الدولية.

في هذا السياق، يصبح سحب الجنسية وسيلة لإفراغ الشكاوى من مضمونها، نزع صفة المواطن الجزائري عن المشتكي، ثم الطعن في أهليته، ثم إغلاق الملف دوليًا.

قانون موجّه ضد مناضلي الخارج تحديدًا

لا يمكن تجاهل أن هذا القانون يستهدف، عمليًا، الجزائريين في الخارج فالسلطة تعلم أن المحاكم الأوروبية ترفض تسليم المعارضين السياسيين، تقارير اللجوء والقرارات القضائية توثق الطابع السياسي للمتابعات، والضغط الدبلوماسي الجزائري لاستعادة معارضين فشل مرارًا.

لذلك، تبحث اليوم عن وسيلة بديلة وهي قطع رابطة الجنسية نفسها، في سابقة خطيرة تهدد مبدأ عدم جواز إسقاط الجنسية الأصلية، وتفتح الباب أمام حالات انعدام الجنسية أو الابتزاز السياسي.

موقف الكنفدرالية النقابية للقوى المنتجة وخطواتها المقبلة

انطلاقًا من كل ما سبق، ترى الكوزيفوب أن قانون الجنسية المعدّل يشكّل انتهاكًا خطيرًا للمعايير الدولية لحقوق الإنسان، تهديدًا مباشرًا للمدافعين عن حقوق الإنسان والنقابيين، وأداة جديدة لقمع الأصوات الجزائرية الحرة في الداخل والخارج.

وعليه، تعلن الكوزيفوب ما يلي:

  1. انتظار النشر الرسمي للقانون في الجريدة الرسمية من أجل تحليل النص النهائي بدقة قانونية.
  2. تقديم شكاوى رسمية بالتعاون مع منظمات دولية حقوقية إلى الهيئات المختصة التابعة للمفوضية السامية لحقوق الإنسان.
  3. إخطار لجنة الخبراء ولجنة الحريات النقابية بمنظمة العمل الدولية بخطورة هذا القانون، خاصة في علاقته بتجريم التواصل مع آليات الرقابة الدولية.
  4. المطالبة باتخاذ إجراءات احترازية دولية لحماية الجزائريين والجزائريات الذين يتعاونون مع الأمم المتحدة ومنظمة العمل الدولية والـتأكيد بأن علاقتهم ورفعهم الشكاوى لا يمكن أن يعتبر إضرار بالمصلحة الوطنية أو مساس بأمن الدولة أو عمل تخريبي، وبالتالي ضمان عدم المساس بحقهم في الجنسية الأصلية.
  5. تحميل السلطات الجزائرية المسؤولية الكاملة عن أي استخدام انتقامي لهذا القانون ضد الحقوقيين والنقابيين والمعارضين السلميين.

الجنسية ليست أداة تأديبية

الجنسية ليست أداة تأديب، ولا ورقة ضغط سياسية، ولا سيفًا مسلطًا على رقاب المعارضين وأي قانون يحوّلها إلى ذلك، هو قانون فاقد للشرعية الحقوقية، مهما كانت الصياغة التقنية التي يتخفّى وراءها.

يقول رئيس المنظمة الأخر رؤوف ملال:

الكونفدرالية النقابية للقوى المنتجة ستواصل، بكل الوسائل القانونية والحقوقية المشروعة، فضح هذا الانحراف الخطير، والدفاع عن حق الجزائريين في جنسيتهم، وكرامتهم، وحريتهم في اللجوء إلى الآليات الدولية دون خوف أو ابتزاز.

مداخلة رئيس المنظمة، رؤوف ملال حول الموضوع على قناة شمال إفريقيا.

📬 هل أعجبك هذا المقال؟ اشترك في نشرتنا البريدية لتصلك آخر الأخبار والبيانات الهامة مباشرة إلى بريدك.

Arabic