🗓️ نُشر بتاريخ: 29/12/2025
أعادت التصريحات الأخيرة التي أطلقتها لويزة حنون، زعيمة حزب العمال الجزائري، ملف الحريات النقابية إلى واجهة النقاش العام، مستندة إلى أرقام صادمة تعكس حجم القمع المسلط على العمال والنقابيين، خصوصًا في قطاع النقل.
غير أن خطورة هذه التصريحات لا تكمن في مضمونها فحسب، بل في انتقائيتها الواضحة، وتوظيفها السياسي المكشوف، وتناقضها الصريح مع أبسط المبادئ النقابية والقانونية المعمول بها في الجزائر.
أرقام صادمة… وواقع لا يمكن إنكاره
قدّمت لويزة حنون معطيات ثقيلة لا يمكن إنكار دلالتها، إذ أكدت أن ثلاثة عشر عاملًا ونقابيًا من قطاع السكك الحديدية لا يزالون في السجن بسبب إضراب السادس والعشرين من نوفمبر 2025، إلى غاية كتابة هذه الأسطر.
كما تحدثت عن أكثر من مئة وثمانين عاملًا ونقابيًا من موانئ الجزائر العاصمة ووهران ومستغانم تم تسريحهم تعسفيًا دون أي سند قانوني.
وأضافت إلى ذلك تأكيدها على تسريح أمين الفدرالية الوطنية لعمال الموانئ التابعة للاتحاد العام للعمال الجزائريين سنة 2024، رغم تمتعه، حسب تصريحها، بتفويض نقابي وحصانة وتمثيل دولي، محذّرة السلطات من استحواذ نقابيين مستقلين على هذا التمثيل في ظل ما وصفته بانعدام أي تمثيل رسمي أمام تلك المنظمات.
استهداف وزير الداخلية وتجاهل المسؤول الحقيقي عن حماية الحق النقابي
غير أن المفارقة الصادمة تبدأ هنا، فرغم إقرارها الصريح بوجود حصانة نقابية وانتهاكها وفقا للقانون 23-02 المتعلق بكيفيات ممارسة الحق النقابي، وجّهت لويزة حنون سهامها مباشرة نحو وزير الداخلية والنقل، السيد السعيد سعيود، متهمة إياه بالوقوف خلف قمع قطاع النقل وبقيادة مخطط لخصخصة الموانئ الجزائرية.
هذا الهجوم، في نظر العديد من المحللين السياسيين والقانونيين، يكشف تناقضًا قانونيًا فادحًا، لأن وزير الداخلية ليس الجهة المختصة أصلًا بضمان الحريات النقابية أو حمايتها. فدوره، إن وُجد، يقتصر على تنفيذ القانون، لا تنظيم العمل النقابي ولا حماية الحصانة، وهي صلاحيات تعود حصريًا إلى مفتشيات العمل التي تخضع لسلطة وزارة العمل والتشغيل والضمان الاجتماعي التي على رأسها الوزير السيد عبد الحق سايحي، والذي حسب العديد من الفاعلين السياسيين يتحمل المسؤولية السياسية والقانونية المباشرة عن الانهيار المتواصل للحقوق النقابية في الجزائر.
وزير العمل المسؤول الغائب عن هجمات لويزة حنون
الغياب الأبرز في خطاب زعيمة حزب العمال هو تغييب وزارة العمل ومسؤولها الأول، رغم كونها الجهة القانونية الوحيدة المكلفة بحماية النشاط النقابي وتفعيل الحصانة عبر مفتشيات العمل، والمخوّلة بالتدخل الفوري لإعادة إدماج النقابيين المفصولين تعسفيًا.
في هذا السياق، أكد رئيس الكنفدرالية النقابية للقوى المنتجة، الأخ رؤوف ملال، خلال مشاركته في حصة خاصة على قناة “شمال إفريقيا”:
المادة 153 من القانون 23-02 المتعلق بالحق النقابي تنص صراحة على تجريم كل من يعرقل العمل النقابي، وتقر بإمكانية سجن المسؤولين المتورطين لمدة تصل إلى ستة أشهر في حالة العود. ومع ذلك، بقيت هذه المادة حبرًا على ورق بسبب الرفض الصريح لوزارة العمل تفعيلها لحماية النقابيين من التعسف الإداري.
إذن السؤال الجوهري الذي يفرض نفسه بقوة حسب رئيس الكنفدرالية في تصريحاته للقناة الفضائية شمال إفريقيا هو:
إذا كانت لويزة حنون، بحكم تجربتها، تدرك هذا الإطار القانوني جيدًا، فلماذا تتجاهل وزارة العمل وتوجّه هجومها نحو وزير لا يملك أصلًا صلاحيات تنظيم الحريات النقابية؟ هذا التجاهل لا يمكن فهمه إلا باعتباره توظيفًا سياسيًا انتقائيًا وشخصيًا ضد وزير الداخلية.
إتهامات لوزير الداخلية بمحاولة خصخصة قطاع الموانئ
وفيما يتعلق بملف النفوذ الإماراتي في الجزائر، اتهمت لويزة حنون وزير الداخلية والنقل بوجود مخطط لخصخصة الموانئ وربطت ذلك باستمرار الحضور الإماراتي في المشاريع المينائية، داعية لطرد الإماراتيين في أسرع وقت.
ما يلفت الانتباه هو تزامن هذه التصريحات مع الإطاحة برجل الأعمال شرف الدين عمارة، المعروف بقربه من دوائر النفوذ الإماراتية، وما رافق ذلك من نزول ميداني فوري لوزير الداخلية إلى ميناء الجزائر يوم الثاني والعشرين من ديسمبر 2025.
هذه التطورات تعزز فرضية أن تصريحات زعيمة حزب العمال لم تكن مجرد مواقف إعلامية، بل تحولت إلى أداة ضغط داخل دواليب الحكم، وقد تمهّد لإعادة تموضع حزب العمال قرب مراكز القرار إذا ما انتهت هذه الضغوط بإقالة الوزير المستهدف.
ازدواجية المعايير في الدفاع عن النقابيين والمضطهدين
في مقابل هذا التصعيد، التزمت لويزة حنون صمتًا مطبقًا تجاه ملفات نقابية لا تقل خطورة، وعلى رأسها قضية النقابي المعتقل علي معمري الكحكوم عليه بخمس عشر سنة سجن نافذة، رغم المطالبات الدولية الواسعة بالإفراج عنه.
بل إن مقربين منها يقرّون بأنها تعتبر النقابات التي تربطها علاقات بمنظمة العمل الدولية والمنظمات الحقوقية الدولية منظمات “خارجة عن الصف”، وهذه التصريحات هي للتشويش على النقابيين المستقلين المسجنونين إعلاميا.
تجاهلت لويزة حنون زعيمة حزب العمال الجزائري أيضا عشرات نقابيي السناباب المتابعين قضائيًا والمفصولين في بجاية، وتجاهلت كذلك عشرات العمال والنقابيين الموسميين المفصولين منذ أشهر بعد تأسيسهم نقابة مستقلة في قطاع الغابات.
ولم تتطرق إلى الطلبة النقابيين المفصولين من جامعة البليدة بسبب إضرابهم، ولا إلى الأطباء المقيمين الذين لا يزال بعضهم في السجن بسبب حركتهم الاحتجاجية مطلع سنة 2025. هذه الوقائع تؤكد أن الاستهداف لا يقتصر على قطاع النقل كما حاولت تصويره عن طريق مهاجمة وزير الداخلية، بل يشمل كل القطاعات دون استثناء.
بيان الكنفدرالية النقابية للقوى المنتجة الصادرعلى خلفية تصريحات لويزة حنون بثلاث لغات

على ضوء التصريحات السياسية والإعلامية الأخيرة التي تناولت ملف الحريات النقابية في الجزائر، وما رافقها من توظيف انتقائي لمعاناة العمال والنقابيين، ترى الكنفدرالية النقابية للقوى المنتجة نفسها مضطرة للتدخل وتوضيح موقفها للرأي العام الوطني والدولي.
إن هذا البيان يأتي في سياق يتسم بتصاعد غير مسبوق في القمع النقابي، وفي وقت يتم فيه إفراغ الحق النقابي من مضمونه القانوني والفعلي، مقابل تصدر خطاب سياسي لا يعكس حقيقة الوضع ولا يعبّر عن عمق الأزمة.
إن الكنفدرالية النقابية للقوى المنتجة تسجّل بقلق بالغ أن النقاش الدائر حول الحريات النقابية يجري في غياب الصوت النقابي المستقل، الذي يتعرض لعملية خنق ممنهجة. فالنقابات المستقلة محرومة من حقها في النشاط، وقياداتها ملاحَقة أو منفية أو مسجونة، في حين تُستغل بعض القضايا النقابية بشكل ظرفي لتصفية حسابات سياسية داخل السلطة.
وقد بلغ هذا الوضع درجة مفارِقة خطيرة، حيث أصبح حتى الأمين العام للنقابة الموالية للسلطة عاجزًا عن التعبير بحرية عمّا يجري داخل تنظيم، ما أدى لتوظيف معاناة العمال والنقابيين خارج سياقه الحقيقي بانحراف خطيرا عن جوهر النضال النقابي، وبممارسة مرفوضة سياسيًا ونقابيًا.
وفي هذا الصدد تؤكد الكنفدرالية أن الأزمة النقابية الراهنة في الجزائر ليست أزمة قطاع بعينه، ولا تختزل في النقل أو الموانئ أو السكك الحديدية، بل هي أزمة شاملة تمس مختلف القطاعات، وتطال العمال والنقابيين دون تمييز.
كما ترفض الكنفدرالية بشكل قاطع كل الخطابات أو الممارسات التي تبرر كسر الإضرابات أو تمجّد إفشال الحركات الاحتجاجية العمالية، أو تستخدم النقابيين كأدوات لضرب العمال، لأن ذلك يشكّل اعتداءً مباشرًا على أحد أهم الحقوق الجماعية التي راكمتها الحركة العمالية عبر عقود من النضال.
وفي هذا الإطار، تحمّل الكنفدرالية النقابية للقوى المنتجة وزارة العمل ومفتشياتها المسؤولية القانونية والسياسية المباشرة عن هذا الوضع، باعتبارها الجهة المخولة حصريًا بحماية الحق النقابي وتفعيل أحكام القانون 23-02، لا سيما المواد المتعلقة بالحماية النقابية وتجريم عرقلة العمل النقابي.
إن استمرار تعطيل هذه الآليات القانونية، وترك النقابيين دون حماية فعلية، يكشف إرادة رسمية في تفريغ الحق النقابي من محتواه، ويجعل كل حديث سياسي عن الحريات النقابية فاقدًا للمصداقية.
وبناءً عليه، تدعو الكنفدرالية النقابية للقوى المنتجة حزب العمال، وكل الأحزاب السياسية التي تناولت هذا الملف، إلى تحمّل مسؤولياتها السياسية والأخلاقية، والتوقف عن الانتقائية في الدفاع عن النقابيين، والالتزام بالدفاع عن جميع العمال والنقابيين دون تمييز بين المستقلين المدافعين عن حقوق الإنسان والموالين للسلطة.
كما تدعو الكنفدرالية إلى فتح نقاش وطني جدي ومتوازن حول واقع الحريات النقابية، تشارك فيه النقابات المستقلة المغيّبة قسرًا، وفي مقدمتها الكنفدرالية النقابية للقوى المنتجة ونقاباتها الأعضاء.
وتؤكد الكنفدرالية، في الختام، استعدادها للتعاون مع كل قوة سياسية أو اجتماعية صادقة تسعى فعليًا إلى استرجاع الحق في التنظيم النقابي الحر، ووقف التعسف والمتابعات القضائية ضد النقابيين، فالقضية النقابية في الجزائر ليست ملفًا ظرفيًا ولا أداة صراع داخل السلطة، بل قضية حقوق أساسية وجماعية، تمس كرامة العمال وحقهم المشروع في الدفاع عن مصالحهم، ولا تقبل أي تلاعب أو توظيف.
المكتب الوطني
تحميل البيان باللغة الإنجليزية
📬 هل أعجبك هذا المقال؟ اشترك في نشرتنا البريدية لتصلك آخر الأخبار والبيانات الهامة مباشرة إلى بريدك.