انهيار نفق المشروحة | حوادث العمل في الجزائر تستمر في حصد أرواح العمال وتعريض سلامتهم للخطر، بينما تتواصل القيود المفروضة على النقابات المستقلة القادرة على الدفاع عن حقوقهم.

شهدت منطقة الحجاجية ببلدية المشروحة، ولاية سوق أهراس، ليلة الاثنين 26 أكتوبر 2026، حادث عمل خطيرًا إثر انهيار نفق جزئي قيد الإنجاز ضمن مشروع الخط السككي المنجمي الشرقي، ما أسفر عن إصابة عاملين وبقاء العامل زكرياء شوارفية، المنحدر من منطقة بوكموزة التابعة لبلدية وادي فراغة بولاية قالمة، تحت الأنقاض.

وحتى كتابة هذه الأسطر، لا يزال زكرياء تحت الأنقاض، وسط معاناة عائلته ومطالبات متواصلة بتعزيز عمليات التدخل وتسخير فرق إنقاذ متخصصة ومعدات قادرة على التعامل مع الانهيارات داخل الأنفاق.

ورغم خطورة الحادث واستمرار تداول صوره ومقاطع الفيديو المتعلقة به على مواقع التواصل الاجتماعي، غابت عنه التغطية الإعلامية المحلية التي تقتضيها أهميته الإنسانية والمهنية، في وقت تحتاج فيه عائلة العامل والرأي العام إلى معلومات واضحة بشأن عمليات الإنقاذ والمسؤوليات المرتبطة بالحادث.

انهيار نفق المشروحة ضمن مشروع الخط المنجمي الشرقي

وقع انهيار نفق المشروحة في ورشة مرتبطة بمشروع ازدواجية وتصحيح وعصرنة الخط السككي المنجمي الشرقي، أحد أكبر مشاريع البنية التحتية للنقل بالسكك الحديدية في الجزائر.

ويمتد المشروع على مسافة إجمالية تبلغ نحو 422 كيلومترًا، رابطًا عنابة ببوشقوف وسوق أهراس وتبسة وجبل العنق وبلاد الحدبة. ويهدف أساسًا إلى تطوير نقل الفوسفات والمواد المنجمية وربط مناطق الإنتاج بالموانئ والشبكة الوطنية للسكك الحديدية.

ويشمل المقطع الرابط بين بوشقوف بولاية قالمة والدريعة بولاية سوق أهراس، الممتد على 121 كيلومترًا، إنجاز عدد كبير من الجسور والأنفاق عبر تضاريس جبلية معقدة تستوجب تدابير وقاية ومراقبة تقنية صارمة.

وكانت مصالح الوزير الأول قد أكدت، خلال زيارة رسمية إلى سوق أهراس في 8 فبراير 2026، أهمية هذا المقطع والالتزام باستكمال المشروع قبل نهاية السنة، مع التشديد على تطبيق معايير السلامة والجودة.

كما شهدت ورشات المشروع زيارات تفقدية متكررة لوزير الأشغال العمومية والمنشآت القاعدية، عبد القادر جلاوي، الذي دعا خلال زيارته في 25 سبتمبر 2026 إلى مضاعفة معدل الحفر اليومي وتسريع وتيرة الأشغال، مع التأكيد على احترام المعايير التقنية.

من هي الشركات المسؤولة عن إنجاز المشروع؟

تتولى الوكالة الوطنية للدراسات ومتابعة إنجاز الاستثمارات في السكك الحديدية (ANESRIF) مهمة صاحب المشروع المفوض، تحت وصاية وزارة الأشغال العمومية والمنشآت القاعدية.

وتشارك في تنفيذ المقطع الرابط بين بوشقوف والدريعة عدة مؤسسات وطنية، من بينها كوسيدار للأشغال العمومية (Cosider TP)، وكوسيدار للمنشآت الفنية (Cosider OA)، والمؤسسة الوطنية للمنشآت الفنية الكبرى (ENGOA)، إلى جانب مؤسسات أخرى.

وقد أكدت وزارة الأشغال العمومية في بيانها المؤرخ في 18 مايو 2026 مشاركة هذه المؤسسات في تنفيذ ومتابعة الأشغال بهذا المقطع. كما تؤكد التقارير المنشورة إشراف شركة كوسيدار للأشغال العمومية على إنجاز النفق رقم 04 ضمن المقطع الرابط بين عين السنور وبوشقوف.

وتشير بيانات ولاية قالمة حول متابعة المشروع أيضًا إلى مشاركة تجمع شركات جزائرية وصينية في إنجاز أجزاء من الخط المنجمي الشرقي.

وتطالب الكنفدرالية بالكشف عن المؤسسة المستخدمة للعامل زكرياء شوارفية، والشركة المكلفة مباشرة بورشة النفق المنهار، وهوية الجهات المسؤولة عن الدراسات الجيوتقنية وتدابير التدعيم والمراقبة التقنية، بما يسمح بتحديد المسؤوليات بصورة دقيقة.

سلامة العمال مسؤولية قانونية وليست مسألة ثانوية

تفرض أشغال الأنفاق، بالنظر إلى طبيعتها والمخاطر المرتبطة بالانهيارات الأرضية، اتخاذ إجراءات صارمة تشمل الدراسات الجيوتقنية، وتدعيم مناطق الحفر، والمراقبة المستمرة لاستقرار التربة، وتوفير خطط التدخل والإنقاذ.

وينص القانون الجزائري رقم 88-07 المؤرخ في 26 يناير 1988، المتعلق بالوقاية الصحية والأمن وطب العمل، على التزام المؤسسات المستخدمة بضمان سلامة العمال وإدماج تدابير الوقاية ضمن التقنيات المعتمدة وتنظيم العمل. كما يخضع احترام هذه الالتزامات لرقابة مفتشية العمل.

ويمكن الاطلاع على النص القانوني المنشور لدى وزارة العمل الجزائرية.

وعليه، فإن حادث انهيار نفق المشروحة يستوجب تحقيقًا تقنيًا وقضائيًا للكشف عن أسباب الانهيار، ومدى الالتزام بقواعد الوقاية، ومدى جاهزية وسائل الإنقاذ، وظروف العمل داخل الورشة، بما في ذلك ساعات العمل والضغوط المرتبطة بآجال إنجاز المشروع.

إن استكمال المشاريع الاقتصادية في مواعيدها لا يبرر تعريض حياة العمال للخطر. وتقع على المؤسسات المشغلة والسلطات الرقابية مسؤولية قانونية مباشرة عن تطبيق تدابير الحماية المقررة في التشريع الجزائري.

القمع النقابي يترك العمال دون وسائل دفاع مستقلة

ترى الكنفدرالية النقابية للقوى المنتجة أن استمرار حوادث العمل في الجزائر يكشف كذلك عن النتائج الخطيرة لإضعاف التنظيم النقابي المستقل داخل المؤسسات الاقتصادية وورشات الأشغال العمومية.

فقد أدت سياسة التضييق على الحريات النقابية، وحل التنظيمات المستقلة، وطرد وملاحقة المسؤولين والنشطاء النقابيين، إلى تقويض قدرة العمال على التنظيم الجماعي وممارسة الرقابة المستقلة على ظروف عملهم.

وتؤدي النقابات المستقلة دورًا أساسيًا في الكشف المبكر عن الأخطار المهنية، والتبليغ عن انتهاكات قواعد السلامة، وحماية العمال الذين يرفضون تنفيذ مهام تعرض حياتهم للخطر، ومساءلة المؤسسات المشغلة عند وقوع الحوادث.

إن حرمان العمال من نقابات حرة ومستقلة يضعف قدرتهم على الدفاع عن حياتهم وصحتهم وكرامتهم داخل أماكن العمل.

الكنفدرالية النقابية للقوى المنتجة تدين الوضع وتطالب بتحقيق عاجل

تدين الكنفدرالية النقابية للقوى المنتجة (COSYFOP) بشدة الوضع الخطير الذي آلت إليه ظروف العمل والحماية المهنية في الجزائر، وتعرب عن تضامنها الكامل مع العامل زكرياء شوارفية وعائلته، ومع العاملين المصابين وجميع العمال المعرضين للمخاطر المهنية.

وتطالب الكنفدرالية السلطات العمومية والجهات المسؤولة عن المشروع باتخاذ الإجراءات التالية:

  1. تسخير جميع الوسائل البشرية والتقنية المتخصصة لإنهاء عمليات البحث والوصول إلى العامل زكرياء شوارفية وانتشاله من تحت الأنقاض.
  2. فتح تحقيق مستقل وشفاف في ظروف انهيار نفق المشروحة، يشمل الدراسات التقنية وإجراءات الوقاية ومراقبة السلامة المهنية.
  3. الكشف عن هوية المؤسسة المشغلة والشركات المسؤولة عن الورشة، وتحديد المسؤوليات القانونية والإدارية عن أي إخلال يثبته التحقيق.
  4. نشر حصيلة رسمية كاملة للحادث، وضمان اطلاع عائلات الضحايا والمصابين والرأي العام على تطورات التدخل ونتائج التحقيق.
  5. تعزيز الرقابة على جميع ورشات المشاريع الكبرى وضمان الحقوق القانونية للعمال المتضررين وعائلاتهم.
  6. رفع القيود المفروضة على الحريات النقابية وضمان حق العمال في إنشاء نقابات مستقلة قادرة على الدفاع عن مصالحهم وسلامتهم دون خوف من الانتقام أو الطرد أو الملاحقة.

وتؤكد الكنفدرالية أن حماية حياة العمال واجب قانوني ومؤسسي، وأن أي سياسة تنموية تتجاهل شروط العمل الآمن والحقوق النقابية الأساسية تعرض العمال لمخاطر جسيمة.

حياة العمال الجزائريين ليست ثمنًا لإنجاز المشاريع، وكرامتهم وسلامتهم يجب أن تكونا فوق كل اعتبار.

الكنفدرالية النقابية للقوى المنتجة (COSYFOP)

📬 هل أعجبك هذا المقال؟ اشترك في نشرتنا البريدية لتصلك آخر الأخبار والبيانات الهامة مباشرة إلى بريدك.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *