قراءة في كتاب النقابي والباحث الدكتور غسان صليبي ” تطوير النقابات العربية” وما تكشفه التجربة الجزائرية عن مأزق النقابات المستقلة في المنطقة العربية

حين تقرأ هذا الكتاب للوهلة الأولى، قد تظن أنك أمام سيرة مهنية لنقابي لبناني عمل طويلًا داخل الاتحاد الدولي للخدمات العامة، ولكن القراءة المتأنية للكتاب تكشف شيئًا أعمق، فنحن أمام شهادة من داخل مختبر معقد حاولت الكنفدرالية النقابية للقوى المنتجة، منذ سنوات، فهم شيفرته وتفكيك آلياته.

مختبر العلاقة المعقدة بين النقابات العربية، والسلطات السياسية، والاتحادات الدولية، ومشاريع التضامن النقابي التي كثيرًا ما تبدأ بشعارات كبيرة وتنتهي أحيانًا عند حدود الحسابات المؤسسية، ومراعاة الشركاء الرسميين، وتوازنات المصالح داخل الحركة النقابية الدولية.

قيمة هذا الكتاب لا تكمن فقط في أنه يروي تجربة شخصية طويلة، إنه يضع القارئ، وخصوصا النقابي العربي أمام سؤال صعب: ماذا يعني أن ندعم نقابة مستقلة في بلد لا يقبل أصلا استقلالية النقابات؟ وما معنى التضامن الدولي إذا كان هذا التضامن يتوقف عند أول اصطدام مع اتحاد وطني تابع للسلطة أو متخندق مع نظام سياسي يعتبر الحرية النقابية تهديدًا وجوديا له؟

لم يكتب الدكتور غسان صليبي من موقع المنظّر البعيد عن الوقائع، بل كتب من موقع من حاول، اصطدم، نجح أحيانًا، فشل أحيانًا أخرى، ثم امتلك شجاعة مراجعة التجربة لينشرها مع الرأي العام وأصدقائه وخصوصا المناضلين في منطقة شمال افريقيا والشرق الأوسط، لهاذا فالكتاب لا يقدّم انتصارًا صافياً ولا هزيمة مطلقة، بل يقدّم في نظري شيئًا أكثر أهمية يحتاجه النقابي، يقدم تحليلا نقديا ويطرح بشجاعة تعقيدات العمل النقابي في المنطقة العربية، وحدود التضامن الدولي.

من السيرة الفردية إلى سؤال الحركة النقابية

يبدأ غسان كتابه من تجربته الشخصية، لكنه لا يبقى فيها، فمن معمل النسيج، إلى الاتحاد العمالي العام في لبنان، ثم إلى الاتحاد الدولي للخدمات العامة، نتابع مسارًا مهنيًا يلاحقه سؤال واحد بأشكال متعددة: كيف يمكن تطوير النقابات العربية في بيئات سياسية واجتماعية وثقافية تقاوم كل محاولة للاستقلال أو التنظيم الديمقراطي؟

الذي أبهرني في الكتاب هو انحياز الكاتب إلى الحرية النقابية، ولكن دون تبسيط ومبالغة، حيث أنه لم يقدّم العامل بوصفه كائنًا ثوريًا بالفطرة، ولا النقابة المستقلة كنموذج مكتمل بمجرد إعلان استقلاليتها، ولا الاتحادات الدولية ومنظمة العمل الدولية كملاك منقذ. كل شيء في هذا الكتاب محكوم بالتناقض، فالمبادئ موجودة، لكن المؤسسات تتردد؛ التضامن مطلوب، لكنه مشروط؛ النقابات المستقلة تحمل وعدًا تاريخيًا، لكنها مهددة من الخارج ومن الداخل في الوقت نفسه.

هنا تكمن أهمية هذا الكتاب بالنسبة لنا في الجزائر، فهو لا يساعدنا فقط على فهم ما جرى في تجارب سابقة، بل يساعدنا على تحديد المأزق الذي نعيشه اليوم كنقابيين، مأزق النقابات المستقلة التي تحاول البقاء في ظل سلطة ترفض التعددية وتعتبرها تهديدا وجوديا، واتحادات دولية تعلن التزامها بالدفاع عن الحرية النقابية لكنها تتجنب الاصطدام بالأنظمة حين يصبح الدفاع عن النقابات المستقلة مكلفًا سياسيًا أو ماليا خصوصا أن النقابات التابعة للسلطة تدفع الآلاف من الدولارات سنويا للاتحادات الدولية كبدل انخراط.

حين يصبح الاعتراف الدولي شكلًا من أشكال الحماية

أكثر ما استوقفني في هذا الكتاب، وأعتقد أنه سيستوقف كل باحث أو مهتم بالحركة النقابية الجزائرية، هو تناوله لتجربة النقابات المستقلة في الجزائر، وعلى رأسها النقابة الوطنية المستقلة لمستخدمي الإدارة العمومية، ففي صفحات تحمل كثيرًا من الدلالات، يروي غسان صليبي كيف التقى النقابي الراحل رشيد معلاوي، الذي توفي في منفاه بفرنسا سنة 2023، وكيف عرض عليه رغبة النقابة في الانضمام إلى الاتحاد الدولي للخدمات العامة، بعد أن كان طلب سابق قد قوبل بالتجاهل.

هذه الواقعة تكشف جوهر العلاقة بين النقابات المستقلة والحركة النقابية الدولية، فالنقابات المستقلة، في سياق مثل الجزائر، لا تبحث عن عضوية دولية لأسباب بروتوكولية أو رمزية، بل إنها تبحث عن اعتراف خارجي يمنحها حدًا أدنى من الحماية السياسية أو المعنوية، ويفك عنها جزءًا من الحصار الوطني الذي تفرضه السلطة والاتحاد الرسمي المتحالف معها.

فالمعركة النقابية في الجزائر أو في مصر والأردن ليست مجرد نزاعات مهنية، إنه صراع حول الحق في التنظيم الحر، وحول التمثيل الفعلي للقواعد العمالية، إنه نضال من أجل جعل العامل مواطنًا حرًا قادرًا على بناء أدواته الجماعية، وليس مجرد تابع داخل بنية رسمية مغلقة مثلما تريده السلطة. لذلك، فتجربة نقابة السناباب التي تعرض لها غسان في كتابه هي مقدمة لفهم ما تتعرض له اليوم تنظيمات نقابية مستقلة أخرى، من بينها الكنفدرالية النقابية للقوى المنتجة، التي تواجه المنطق ذاته بين سلطة سياسية تسعى إلى احتكار التمثيل، واتحاد رسمي يستفيد من الاعتراف التاريخي والدولي، واتحاد دولي للنقابات لا يزال يتردد بين مبدأ الحرية النقابية وحسابات العلاقة مع الأطراف الرسمية

التضامن الدولي بين التضامن الفعلي والمجاملة الدبلوماسية

وربما من أكثر ما يثير الانتباه في كتاب صليبي أنه لا يكتفي بالإشادة بالدعم الدولي الذي لاقته النقابات المستقلة بعد ثورات الربيع العربي، كما هو الحال في كثير من الكتب والدراسات التي تناولت الحركة النقابية في المنطقة، بل يتوقف عند حدوده ونقاط ضعفه. فهو يعترف بأهمية هذا الدعم، لكنه يؤكد في الوقت نفسه أنه يبقى، في كثير من الأحيان، دون مستوى التحديات والمخاطر التي تواجهها النقابات المستقلة. فالدعم الدولي، كما يعرضه الكتاب، قد يأخذ شكل العضوية، أو التدريب، أو المساندة الإعلامية، أو المساعدة في رفع الشكاوى أمام منظمة العمل الدولية، لكنه نادرًا ما يتحول إلى حماية فعلية عندما تدخل النقابات المستقلة في مواجهة مباشرة مع السلطة.

وبالتالي، فالمشكلة ليست تقنية، وليست في نقص البرامج أو الورشات أو الندوات بل هي أعمق من ذلك. ويمكن اختصارها في سؤال بسيط: هل تعتبر الحركة النقابية الدولية النقابات المستقلة في المنطقة العربية مجرد حالات انتهاك تستوجب إصدار بيانات تضامن، أم أنها تراها ظاهرة تاريخية جديدة تستحق استراتيجية متكاملة للحماية والبناء؟

وفي تقديري، فإن هذا هو التمييز الجوهري الذي يجب أن نبني عليه أي تحليل أو استراتيجية عمل. فإذا تعاملنا مع النقابات المستقلة باعتبارها مجرد ضحايا لانتهاكات ظرفية، فسيبقى الرد الدولي محدودًا وروتينيًا كرسالة إلى الحكومة، أو بيان تضامن، أو دورة تدريبية، أو إدراج شكوى في جدول أعمال. أما إذا اعتبرناها أهم محاولة عرفتها المنطقة العربية منذ عقود للانتقال من نقابات تدور في فلك السلطة إلى نقابات مستقلة في خدمة العمال والمجتمع، فإن المطلوب يصبح مختلفًا تمامًا. فعندها لا يعود الحديث عن ورشات أو بيانات، بل عن اعتراف سياسي، وحماية دولية، ودعم تنظيمي، وتشبيك إقليمي، وضغط مستمر على الحكومات، ومساءلة الاتحادات الدولية نفسها عندما تتراجع عن المبادئ التي تعلن الدفاع عنها.

لماذا تتردد الاتحادات الدولية في دعم النقابات المستقلة؟

السؤال الذي يفرضه الواقع الجزائري اليوم هو: لماذا تتردد الاتحادات الدولية، وعلى رأسها الاتحاد الدولي للنقابات، في تقديم دعم واضح وثابت للنقابات المستقلة؟

لا يقدم غسان صليبي جوابًا واحدًا على هذا السؤال، لكنه يضع بين أيدينا مجموعة من المفاتيح التي تساعد على فهم هذا التردد.

أولًا، مراعاة الاتحادات الرسمية الوطنية، يشير صليبي إلى أن الاتحادات الرسمية في كثير من البلدان العربية لا تزال تحتل مواقع مؤثرة داخل الحركة النقابية الدولية، حتى عندما تكون فاقدة لاستقلاليتها أو مرتبطة بالسلطة السياسية. ويبدو أن الجزائر تمثل مثالًا واضحًا على هذا الواقع. فالأمين العام للإتحاد العام للعمال الجزائريين عمر تاقجوت يشغل منصب نائب رئيس الاتحاد الدولي للنقابات، وهو موقع يمنحه حضورًا ونفوذًا داخل المنظمة. وفي مثل هذه الحالة، يصبح الاعتراف بالنقابات المستقلة داخل الإتحاد الدولي للنقابات أكثر تعقيدًا، لأنه يطرح سؤالًا حساسًا: إذا كانت هناك نقابات مستقلة تستحق الاعتراف، فهل يعني ذلك أن الاتحاد الرسمي لا يحتكر تمثيل العمال؟ هذا السؤال وحده كفيل بتفسير جانب من التردد الذي يحيط بملف النقابات المستقلة في الجزائر.

ثانيًا، الخشية من الاصطدام بالسلطات، فالمنظمات النقابية الدولية، خصوصًا تلك التي تدير مشاريع أو تحتفظ بعلاقات مؤسساتية مع الحكومات، تميل أحيانًا إلى تجنب المواجهة المباشرة مع الأنظمة حصوصاً أن النقابات المستقلة هي التي تواجه تلك الأنظمة وبالتالي فهي تمثل للاتحادات الدولية الملف الأكثر حساسية.

ثالثًا، تغير مفهوم التضامن النقابي الدولي وهي من أكثر الأفكار التي استوقفتني في هذا الكتاب، فالتضامن عندما يتحول إلى مشروع ممول، يصبح محكومًا بمنطق البرامج والأنشطة والتقارير أكثر مما تحكمه روح النضال النقابي. وعندها يصبح من الأسهل تنظيم ورشة حول الديمقراطية أو الاستقلالية النقابية، من خوض معركة حقيقية للدفاع عن نقابة مستقلة تتعرض للقمع أو الإقصاء.

رابعًا، ضعف الدور الإقليمي المفترض أن يضطلع به الاتحاد العربي للنقابات، وهنا يوجه غسان صليبي نقدًا واضحًا إلى هذا الإطار الذي كان من المفترض أن يكون الحاضنة الطبيعية للنقابات المستقلة في العالم العربي، لكنه انتهى، في كثير من الحالات، إلى مراعاة الاتحادات الرسمية أكثر من الدفاع عن النقابات التي نشأت أصلًا بحثًا عن الاستقلالية.

الاتحاد العربي للنقابات: من الحاضنة المفترضة إلى التردد

من أقسى ما يكشفه الكتاب هو مأساة الاتحاد العربي للنقابات، فهذا الإطار، الذي كان يفترض أن يكون حاضنة إقليمية للنقابات المستقلة في العالم العربي، بدا في مراحل كثيرة عاجزًا عن لعب هذا الدور، وصليبي يشير في كتابه إلى تراجع دعمه وتنامي تنسيقه مع الاتحادات الرسمية الوطنية.

هذا التحول خطير، لأن الاتحاد العربي للنقابات، بحكم موقعه وصلته بالاتحاد الدولي للنقابات، كان يمكن أن يشكل أداة حماية وتنسيق وترافع للنقابات المستقلة في الجزائر ومصر والأردن وغيرها، لكنه حين يصبح حريصًا على مسايرة الاتحادات الرسمية أو تجنب الصدام معها، يفقد مبرر وجوده التاريخي أصلا.

ما استخلصته من الكتاب في موضوع الإتحاد العربي للنقابات هو أنه لا يمكن لحركة نقابية عربية جديدة أن تولد من رحم حسابات قديمة، ولا يمكن أيضا الدفاع عن التعددية النقابية مع مجاملة من يرفضونها. ومؤسف أن نرى الحركة النقابية المستقلة تدفع ثمن استقلاليتها مرتين: مرة أمام سلطات بلدانها، ومرة أمام حركة نقابية دولية تخشى أن تنحاز إليها بوضوح.

النقابات المستقلة: ظاهرة تاريخية لا مجرد تنظيمات جديدة

من أكثر الأفكار التي استوقفتني في هذا الكتاب، والتي أجد نفسي متفقًا معها إلى حد بعيد، اعتبار النقابات المستقلة في الجزائر ومصر والأردن ظاهرة نقابية جديدة، وليست مجرد تنظيمات أُضيفت إلى المشهد النقابي القائم. فهي تمثل، في جوهرها، محاولة جادة للقطيعة مع النموذج التقليدي للعمل النقابي الخاضع للسلطة، والسعي إلى بناء نقابات مستقلة تستمد شرعيتها من العمال لا من السلطة.

ولهذا لم تنحصر مطالب هذه النقابات في تحسين الأجور أو الدفاع عن الحقوق المهنية والاجتماعية، بل ارتبطت منذ نشأتها بقضايا الحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية. ومن الطبيعي، في مثل هذا السياق، أن تجد نفسها حاضرة في محطات سياسية مفصلية، مثل الثورة المصرية أو الحراك الشعبي في الجزائر، وأن تنسج علاقات مع منظمات المجتمع المدني ومنظمات حقوق الإنسان داخل بلدانها وخارجها، وأن تدفع في المقابل ثمنًا باهظًا عندما اعتبرتها السلطات مشروعًا يتجاوز الإطار النقابي التقليدي.

ومن النقاط التي أعجبتني أيضًا أن غسان صليبي لم يقع في فخ تمجيد النقابات المستقلة أو تقديمها بصورة مثالية. فقد خصص جزءًا مهمًا من كتابه للحديث عن التحديات الداخلية التي تواجهها، مثل ضعف الموارد، وضغط المنفى، وصعوبة بناء قواعد نقابية واسعة، والانقسامات، وغياب التكوين، والإرهاق التنظيمي، بل وحتى إعادة إنتاج بعض الممارسات التي انتقدتها داخل النقابات الرسمية. وهذه، في تقديري، من أكثر صفحات الكتاب صدقًا، لأنها تذكرنا بأن الدفاع عن النقابات المستقلة لا يعني إعفاءها من النقد، وإنما مساعدتها على أن تصبح أكثر قدرة على تجسيد المبادئ التي قامت من أجلها.

وأجد نفسي، كنقابي جزائري، متفقًا مع هذه الرؤية. فالاستقلالية النقابية ليست شعارًا يُرفع، ولا صفة تُكتسب بمجرد إعلان تأسيس نقابة مستقلة، وإنما ممارسة يومية تبدأ من احترام الديمقراطية الداخلية، والشفافية المالية، ومكافحة الفساد، وبناء علاقة حقيقية مع القاعدة العمالية، وتمكين النساء والشباب من مواقع المسؤولية، وترسيخ ثقافة النقد والمساءلة، وتنتهي بالقدرة على تحويل التضامن الدولي إلى عنصر يعزز قوة التنظيم في الداخل، لا إلى بديل عن العمل النقابي الميداني.

من التدريب إلى المواجهة: الدرس الأهم في الكتاب

من أهم ما يطرحه صليبي في كتابه هو تمييزه بين ثلاث مقاربات في التعامل مع استقلالية النقابات: تجاهل الموضوع، أو الاكتفاء بالتدريب النظري عليه، أو تحويله إلى خطة فعلية للمواجهة.

وهنا يكمن، في رأيي، جوهر القضية، فالاستقلالية النقابية لا تُكتسب عبر دورة تدريبية عن مفهوم الاستقلالية أو الديمقراطية. إنها تُختبر عندما تطالب النقابة بحقها في التسجيل، أو ترفض تدخل الإدارة، أو تواجه قانونًا قمعيًا، أو تدافع عن قيادي ملاحق أو مسجون أو مطرود من العمل، أو تصر على تمثيل قطاع عمالي لا تريد السلطة أن يكون لهم صوت.

حينذاك فقط يصبح السؤال واضحًا: هل الاتحادات الدولية شريكة في المواجهة أم مجرد داعم للأنشطة؟ هل تساند النقابة عندما تدفع الثمن، أم تكتفي بتدريبها على مبادئ لن تدافع عنها حين تُنتهك؟

وبالنسبة للنقابات المستقلة في الجزائر، فهذا ليس سؤالًا نظريًا. فقد دفعت قيادات نقابية ثمن نشاطها من السجن، والملاحقات القضائية، والتضييق الإداري، والنفي، وحملات التشويه، والطرد من العمل. وفي حالات كثيرة، حين أُغلقت المساحة الوطنية، لم يبق أمام النقابيين سوى التدويل أمام منظمة العمل الدولية، الأمم المتحدة، آليات حقوق الإنسان، والشبكات الدولية.

ولكن التدويل هنا ليس هروبًا من الداخل مثلما يعتقده البعض، إنه استمرار للنضال بوسائل أخرى، عندما تصبح الساحة الوطنية مغلقة أو مفخخة. ومن هنا فلا يمكن، أخلاقيًا ولا سياسيًا، مطالبة النقابات المستقلة بأن تواجه وحدها هذا الواقع، بينما تتردد الاتحادات الدولية في توفير الغطاء الذي تعتبره هي نفسها جزءًا من رسالتها.

استمرار المأزق الجزائري

ما تكشفه تجربة نقابة السناباب في كتاب غسان صليبي لا يخص مرحلة انتهت، بل يساعد على فهم المأزق الذي لا تزال تعيشه الحركة النقابية المستقلة في الجزائر. فما واجهته السناباب بالأمس، تواجهه اليوم تنظيمات مستقلة أخرى، من بينها الكنفدرالية النقابية للقوى المنتجة خصوصا إشكالات الاعتراف القانوني، أو الحماية، أو العلاقة مع الحركة النقابية الدولية.

في الجزائر، لم تكن المشكلة يومًا في غياب النصوص القانونية وحدها، بل في غياب الإرادة السياسية لتكريس الحرية النقابية ولتطبيق القانون نفسه. وحتى عندما تتيح القوانين هامشًا معينًا، غالبًا ما يجري تضييقه بإجراءات إدارية، أو بتفسيرات أمنية، أو بتمييز في تطبيقه. وفي مثل هذا السياق، يصبح موقف الحركة النقابية الدولية عنصرًا مؤثرًا في مستقبل النقابات المستقلة، لأن الصمت أو التردد لا يبقيان موقفًا محايدًا، بل ينعكسان عمليًا على ميزان القوى بين النقابات المستقلة والاتحادات الرسمية.

ولو طرحت اليوم سؤالًا بسيطًا على الاتحاد الدولي للنقابات أو الاتحاد العربي للنقابات: هل أنتم مع الحرية النقابية؟ فلن يتردد أحد في الإجابة بالإيجاب. لكن بعد قراءة كتاب غسان صليبي، أدركت أن هذا ليس هو السؤال الجوهري.

السؤال الحقيقي للحركة النقابية الدولية هو: ماذا تفعلون عندما تتحول الحرية النقابية من مبدأ تعلنونه في بياناتكم إلى معركة ميدانية؟ ماذا يكون موقفكم عندما تجد النقابة المستقلة نفسها في مواجهة اتحاد رسمي يشغل موقعًا مؤثرًا داخل منظمتكم؟ هل تكون الأولوية للدفاع عن المبدأ، أم للحفاظ على التوازنات داخل الحركة النقابية الدولية؟ وهل يترجم التزامكم بالحرية النقابية إلى مواقف عملية عندما تكون كلفة هذا الالتزام مرتفعة؟

نحو استراتيجية جديدة للتضامن النقابي

الدرس الذي يمكن استخلاصه من كتاب غسان صليبي حول موضوع النقابات المستقلة والذي يهمني شخصيا هو أنها لا تحتاج إلى تضامن موسمي، بل إلى استراتيجية طويلة الأمد.

هذه الاستراتيجية يجب أن تقوم على سبعة أعمدة.

أولًا، الاعتراف السياسي والنقابي الواضح بالنقابات المستقلة الجدية، وعدم رهن هذا الاعتراف برضا الاتحادات الرسمية أو الحكومات.

ثانيًا، تحويل الشكاوى أمام منظمة العمل الدولية من إجراء تقني إلى حملة نقابية دولية مرافقة، فيها إعلام وضغط ومتابعة.

ثالثًا، بناء قدرات النقابات المستقلة في التنظيم الداخلي، لا فقط في الخطاب الحقوقي، فالنقابة التي لا تبني قاعدة لا تستطيع الصمود مهما كان الدعم الدولي قويًا.

رابعًا، حماية القيادات النقابية المهددة عبر شبكات دولية واضحة، لا عبر بيانات متفرقة بعد وقوع الضرر.

خامسًا، إنشاء فضاء عربي مستقل للتنسيق بين النقابات المستقلة، بعيدًا عن هيمنة الاتحادات الرسمية أو الحسابات البيروقراطية.

سادسًا، ربط العمل النقابي بحركات ومنظمات حقوق الإنسان والديمقراطية، لأن قمع النقابات المستقلة في المنطقة العربية ليس ملفًا اجتماعيًا فقط، بل جزء من بنية أوسع لقمع المجتمع المدني الحر.

سابعًا، مساءلة الاتحادات الدولية نفسها عبر أعضائها الملتزمون عندما تتراجع أو تساوم، فالتضامن لا يكون ذا معنى إذا كانت المسائلة تخص الحكومات وتعفي الاتحادات النقابية الدولية من مسؤوليتها.

حين يصبح البقاء فعل مقاومة

قيمة كتاب غسان صليبي أنه لا يبيع الوهم، فهو لا يقول إن النقابات المستقلة ستنتصر لأنها على حق، ولا يقول إن الاتحادات الدولية تقف دائمًا مع المظلومين لأنها ترفع شعارات جميلة.

يؤكد لنا الكاتب من خلال تجربته، إن العمل النقابي الحقيقي هو صراع طويل بين الأمل والانكسار، بين المبادئ والحسابات، بين التنظيم والقمع، وبين التضامن كقيمة والتضامن كإدارة مشاريع.

بالنسبة للحركة النقابية المستقلة في الجزائر، هذا الكتاب مهم لأنه يمنحنا لغة أوضح لفهم ما نعيشه، فنحن لا نواجه فقط سلطة وطنية تضيق بالتعددية النقابية، بل نحن في مواجهة مفتوحة مع نظامًا دوليًا نقابيًا لم يحسم دائمًا موقفه من النقابات المستقلة حين تصبح حمايتها مكلفة سياسيًا.

ومع ذلك، لا يدفعنا الكتاب إلى اليأس، بالعكس، هو يذكّرنا بأن كل تجربة مستقلة، مهما بدت محاصرة، تترك أثرًا. فنقابة السناباب تركت أثرًا، النقابات المستقلة في مصر والأردن تركت أثرًا، واليوم على الكنفدرالية النقابية للقوى المنتجة وكل التنظيمات المستقلة في الجزائر أن تواصل تحويل الحصار إلى قضية، والمنفى إلى منصة، والتدويل إلى امتداد للنضال لا بديلًا عنه.

فحين تُغلق كل قنوات التفاوض المحلية، يصبح التدويل استمرارًا للنضال لا تخليًا عنه، وحين يتحول البقاء نفسه إلى معركة، تصبح كل نقابة مستقلة تصمد، وكل صوت نقابي يرفض التبعية، جزءًا من مستقبل لم يولد بعد، لكنه يصر على أن يولد.

أخيرا، قد يختلف الباحثون والنقابيون مع كثير من استنتاجات غسان صليبي، وقد تختلف أيضًا القراءات التي يمكن أن تُبنى على تجربته. غير أن القيمة الحقيقية لهذا الكتاب، في نظري، لا تكمن في الحلول التي يقدمها، بل في الإشكالات التي يطرحها. فصليبي لا يدّعي أنه وجد الوصفة القادرة على تطوير النقابات العربية، بل يعرض أمام القارئ محاولاته لفهم هذه الإشكالات والتعامل معها. في بعض المحطات قد يبدو أنه نجح، وفي محطات أخرى يعترف ضمنيًا أو صراحةً بأن التجربة بلغت حدودها، وربما كانت استقالته من الاتحاد الدولي للخدمات العامة أكبر دليل على أن الأسئلة التي واجهها كانت أعقد من أن تحسمها إرادة شخص واحد أو مؤسسة واحدة.

ولهذا، فإنني لا أنظر إلى هذا الكتاب باعتباره نهاية نقاش، بل أعتبره بداية نقاش مهم لدمقرطة الحياة النقابية والمجتمعية في شمال افريقيا والشرق الأوسط. لهاذا آمل أن يدفع الباحثين والأكاديميين العرب والأجانب إلى تناول هذه الإشكالات بمنهج علمي، وإخضاعها للدراسة والتحليل والمقارنة، لأن مستقبل النقابات المستقلة في المنطقة العربية لن يُبنى بالشعارات وحدها، بل بفهم علمي عميق للتحديات التي تواجهها، ولحدود وآفاق التضامن النقابي الدولي.

مقال بقلم رؤوف ملال

رئيس الكنفدرالية النقابية للقوى المنتجة

يمكنكم شراء الكتاب من على موقع أمازون من هنا

كتاب: تطوير النقابات العربية “تحديات مسيرة مهنية”

📬 هل أعجبك هذا المقال؟ اشترك في نشرتنا البريدية لتصلك آخر الأخبار والبيانات الهامة مباشرة إلى بريدك.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *