أثار البيان المشترك الصادر عن الاتحاد الدولي للخدمات العامة (PSI) والاتحاد الدولي لعمال الأغذية والزراعة والفنادق والمطاعم والتموين والتبغ والمنشآت المماثلة (IUF) موجة جديدة من القلق بشأن واقع الحريات النقابية في الجزائر، بعد إدانتهما الصريحة لمنع انعقاد المؤتمر الوطني للنقابة الوطنية المستقلة لمستخدمي الإدارة العمومية (SNAPAP)المنضوية تحت لواء الكنفدرالية النقابية للقوى المنتجة، الذي كان مقرراً تنظيمه خلال شهر أفريل 2026.

ويأتي هذا الموقف الدولي الجديد ليؤكد أن قضية السناباب لم تعد كما تعتقد وزارة العمل الجزائرية شأنا داخليا يمكنهم التغطية عليه وغلق الملف خصوصا بعد وفاة رئيس النقابة السيد رشيد معلاوي في منفاه بفرنسا سنة 2023، بل أصبحت الآن محل متابعة متزايدة من قبل الحركة النقابية الدولية والمنظمات المدافعة عن حقوق الإنسان.

مؤتمر جامع لإعادة توحيد النقابة

وحسب ما نشرته سابقا نقابة السناباب منذ سنة 2024 وهي تعمل على التحضير لمؤتمر وطني جامع يهدف إلى إعادة توحيد مختلف مكونات النقابة بعد سنوات من الانقسامات والخلافات التنظيمية بسبب تدخل الحكومة في الشؤون الداخلية للمنظمة.

وقد تميزت هذه المبادرة بكونها محاولة جدية لإعادة بناء الشرعية النقابية عبر الآليات الديمقراطية، من خلال إشراك مختلف التيارات والمكونات النقابية في مؤتمر انتخابي مفتوح وشفاف يسمح للمنخرطين بتحديد مستقبل منظمتهم بحرية دون تدخل خارجي.

غير أن السلطات الجزائرية على رأسها وزارة العمل وولاية الجزائر امتنعت عن الرد على الإشعارات والطلبات المتعددة المقدمة للتصريح القانوني من أجل عقد المؤتمر في فندق بالجزائر، قبل أن ترفض في الأخير استلام آخر إخطار رسمي تم تبليغه عن طريق محضر قضائي عن طريق محاميها، ما أدى عملياً إلى تعطيل انعقاد المؤتمر ومنع النقابيين من ممارسة أحد أبسط حقوقهم التنظيمية.

شكوى أمام لجنة الحرية النقابية بمنظمة العمل الدولية

لا يمثل منع مؤتمر سنة 2026 سوى حلقة جديدة ضمن سلسلة من العراقيل التي دفعت السناباب إلى اللجوء إلى الآليات الدولية على رأسها لجنة الحريات النقابية خلال المؤتمر الدولي للعمل الذي نظم مؤخرا في جنيف.

ففي سنة 2025، أودعت النقابة، بدعم من PSI وIUF، شكوى رسمية أمام لجنة الحرية النقابية التابعة لمنظمة العمل الدولية، تتناول جملة من الانتهاكات التي تمس حرية التنظيم النقابي واستقلالية العمل النقابي في الجزائر.

وتستند الشكوى إلى أحكام الاتفاقيتين رقم 87 و98 اللتين صادقت عليهما الجزائر، واللتين تضمنان حق العمال في تأسيس منظماتهم واختيار ممثليهم وتنظيم شؤونهم الداخلية دون تدخل من السلطات العمومية.

ويبدو أن منع المؤتمر الوطني للسناباب يشكل اليوم أحد أبرز الأدلة التي تعزز مضمون هذه الشكوى، لأنه يمس مباشرة حق النقابة في تجديد هياكلها وانتخاب قيادتها وفق إرادة منخرطيها.

قضية بلقاسم فلفول وأسئلة مشروعة حول تطبيق القانون

وفي خضم هذا الجدل، تبرز قضية السيد بلقاسم فلفول الذي تعلنه وزارة العمل كالأمين العام الشرعي، باعتبارها من الملفات التي تثير العديد من التساؤلات داخل الأوساط النقابية والآن الدولية.

فوفقاً للمادة 56 من القانون 23-02 المتعلق بممارسة الحق النقابي، لا يجوز لأعضاء الهيئات التنفيذية للمنظمات النقابية ممارسة أكثر من عهدتين متتاليتين.

غير أن الواقع الذي فرضته وزارة العمل يشير إلى استمرار السيد بلقاسم فلفول على رأس النقابة منذ سنوات طويلة بعد بلوغه العهدة السادسة بالرغم من أن المادة 56 من القانون 23-02 المتعلق بكيفيات ممارسة الحق النقابي تنص على تحديد العهدات النقابية إلى عهدتين إثنين فقط.

ولا يتعلق الأمر هنا بالطعن في شخص فلفول، بل بطرح سؤال يتعلق بمبدأ المساواة في تطبيق القانون. فإذا كانت السلطات الجزائرية تؤكد باستمرار أمام الهيئات الدولية تمسكها الصارم بأحكام القانون 23-02، فلماذا يتم التغاضي عن تطبيق المادة 56 في حالة بلقاسم فلفول وتصر وزارة العمل على خرق القانون؟ في حين تثير نفس المادة ضد نقابة الكناباست التي تحاول حلها قضائيا؟

هذا التناقض الظاهر في تطبيق القانون يفتح الباب أمام تساؤلات مشروعة حول مدى حياد الإدارة في تعاملها مع التنظيمات النقابية المختلفة، ويعزز الانطباع بأن القانون يستعمل فقط لشرعنة التدخل الإداري في الشؤون الداخلية للمنظمات النقابية ما يعتبر انتهاكا خطير للالتزامات الجزائر الدولية.

بين التدخل الإداري واستقلالية التنظيم النقابي

جوهر القضية يتجاوز الأشخاص والهياكل، ويتعلق بمبدأ أساسي كرسته اتفاقيات منظمة العمل الدولية التي صادقت عليها الجزائر، وهو حق العمال في اختيار ممثليهم بحرية كاملة.

فإذا كان أعضاء السناباب يرغبون في تغيير قيادتهم، فإن ذلك يجب أن يتم عبر مؤتمر ديمقراطي وانتخابات حرة. وإذا كانوا يرغبون في تجديد الثقة في قيادتهم الحالية، فإن القرار كذلك يجب أن يعود إليهم وحدهم.

أما منع انعقاد المؤتمر أصلاً برفض تقديم التصريح القانوني لعقده في ظروف عادية، فإنه يحرم المنخرطين من ممارسة هذا الحق ويجعل مسألة الشرعية رهينة قرارات إدارية وأمنية بدلاً من أن تكون نتاجاً للإرادة الحرة للعمال.

ورغم كل هذه العراقيل والتحديات، تواصل السناباب جهودها من أجل عقد مؤتمر جامع يسمح بإعادة توحيد صفوفها وتجديد هياكلها بطريقة ديمقراطية.

ويستحق هذا المسار كل التقدير، لأنه يعكس إرادة حقيقية للخروج من الانقسامات التاريخية وبناء تنظيم نقابي مستقل وقوي قادر على الدفاع عن مصالح العمال بعيداً عن التجاذبات والتدخلات الخارجية سواء حكومية أو أمنية.

كلمة رئيس الكنفدرالية النقابية للقوى المنتجة

وفي تعليق له على هذه التطورات، أكد السيد رؤوف ملال، رئيس الكنفدرالية النقابية للقوى المنتجة (COSYFOP)، أن منع مؤتمر السناباب ، يمثل مؤشراً مقلقاً على استمرار العراقيل التي تواجهها النقابات المنضوية تحت لواء الكنفدرالية .

وأضاف:

“إن الكنفدرالية النقابية للقوى المنتجة تعبر عن تضامنها الكامل مع مناضلات ومناضلي السناباب في معركتهم من أجل عقد مؤتمرهم الوطني بحرية واستقلالية. ونؤكد استعدادنا لتسخير كل الوسائل النقابية والقانونية والدولية المتاحة لمساندة هذه الجهود والدفاع عن الحق المشروع للعمال في إدارة منظماتهم دون تدخل أو وصاية.”

كما دعا رئيس الكنفدرالية المنظمات النقابية الدولية، ومنظمات حقوق الإنسان، وآليات الرقابة التابعة لمنظمة العمل الدولية، إلى مواصلة الوقوف إلى جانب النقابات المستقلة في الجزائر، وتعزيز الضغط من أجل احترام الاتفاقيات الدولية المتعلقة بالحرية النقابية وحرية التنظيم.

فيديو لرئيسة لجنة تحضير المؤتمر الجامع لنقابة السناباب السيدة نصيرة غزلان

📬 هل أعجبك هذا المقال؟ اشترك في نشرتنا البريدية لتصلك آخر الأخبار والبيانات الهامة مباشرة إلى بريدك.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *