إضراب سائقي الشاحنات لا يزال يخوضه الكثير من السائقون عبر مختلف ولايات البلاد، ولا يزال متواصلاً إلى غاية اليوم، في تعبير واضح عن عمق الأزمة التي يعيشها هذا القطاع الحيوي، وعن مستوى الاحتقان المتزايد في صفوف السائقين.

وقد رصدت الكنفدرالية النقابية للقوى المنتجة شهادات عديدة لسائقين أكدوا، بوضوح ودون مواربة، استعدادهم لترك المهنة نهائيًا والتحول إلى أنشطة أخرى، ما لم تُقدَّم ضمانات حقيقية وصريحة بعدم اعتماد القانون الجديد المنظم لحركة المرور بصيغته الحالية.

شيطنة الإضراب: انزلاق خطير ومساس بحقوق العمال والإنسان

الخطاب الرسمي والإعلامي الذي يسعى إلى شيطنة ممارسة الحق في الإضراب، ومحاولة مساواتها بالمساس بأمن الدولة، يشكّل انزلاقًا خطيرًا ومرفوضًا، فالإضراب حق أساسي من حقوق الإنسان، مكفول بموجب الدستور الجزائري، ولا سيما المادة 70 منه، كما تحميه اتفاقيات منظمة العمل الدولية التي صادقت عليها الجزائر. ولا توجد وسيلة أكثر سلمية من الإضراب للتعبير عن المطالب الاجتماعية والمهنية.

إن المساس بأمن الدولة أو بالمصلحة الوطنية له تعريف قانوني وسياسي دقيق، ولا يمكن بأي حال الخلط بينه وبين فعل احتجاجي سلمي يمارسه عمال يطالبون بحقوق مشروعة. هذا الخلط المتعمد لا يخدم سوى منطق القمع، ويؤسس لسابقة خطيرة تمس جوهر الحريات العامة والعمل النقابي.

بيانات رفع الإضراب: تضليل ممنهج للرأي العام

تسجّل الكنفدرالية، بقلق بالغ، سيل البيانات الصادرة عن الاتحاد العام للعمال الجزائريين، والتي تُنشر يوميًا في الصحف الوطنية وتعلن، بشكل متكرر، عن “رفع الإضراب”، في حين أن هذا الإضراب لا علاقة له لا بهذا التنظيم ولا بالنقابات المنضوية تحت لوائه.

الأكثر إثارة للاستغراب أن الإعلام العمومي والخاص التزم الصمت التام خلال الأيام الأولى للإضراب، رغم المشاركة الواسعة والتوقف الجماعي عن العمل الذي شلّ حركة النقل على المستوى الوطني لأكثر من أسبوع، إلى درجة اضطرت معها المؤسسة العسكرية إلى التدخل بشاحناتها لضمان نقل البضائع.

وهنا يطرح سؤال مشروع: ما الأهداف الحقيقية من إغراق المشهد الإعلامي بهذه البيانات المضللة؟ ولماذا تم تجاهل الحركة الاحتجاجية العمالية المشروعة في بدايتها، ثم التركيز لاحقًا على أخبار “رفع الإضراب” في محاولة لتغليط العمال المضربين والرأي العام الوطني والدولي؟

الواقع الميداني يفنّد هذه الادعاءات، فالإضراب ما يزال قائمًا، ولم يتمكن هذا التنظيم، رغم محاولاته المتكررة، من كسره أو التأثير في القواعد العمالية، ما يعكس حجم القطيعة القائمة بينه وبين العمال.

حوار بلا ممثلين حقيقيين: السلطة تحاور نفسها

من غير المفهوم، بل من غير المقبول، أن تُفتح قنوات “حوار” من طرف رئيس مجلس الأمة أو أي جهة رسمية مع منظمات لا تمتّ بصلة للقواعد العمالية المضربة.

بهذا الأسلوب، لا تتحاور السلطة مع العمال، بل تحاور نفسها، وتبقى بعيدة كل البعد عن الواقع المهني والمعيشي لناقلي الشاحنات، وعن المطالب الحقيقية المطروحة على الأرض.

مطالب واضحة ومشروعة… وإضراب شرعي

إن مطالب السائقين المضربين واضحة ومشروعة، وفي مقدمتها: تجميد مشروع قانون المرور بصيغته الحالية لما يتضمنه من طابع زجري غير عادل، توفير قطع الغيار الأصلية التي أصبحت نادرة وباهظة الثمن، بما يهدد استمرارية النشاط، وتهيئة الطرقات المتدهورة والمحفّرة في مختلف المناطق، والتي تتسبب يوميًا في مخالفات غير مقصودة، كأعطال الإضاءة والأضرار التقنية الناتجة عن سوء البنية التحتية.

هذه المطالب لا تمسّ بالمصلحة الوطنية كما يُروَّج له، بل تصبّ في صميمها، لأنها تهدف إلى توفير الحد الأدنى من شروط السلامة والكرامة لممارسة المهنة، وهو ما يمنح الإضراب كامل مشروعيته القانونية والأخلاقية.

النقابة المستقلة: إقصاء ممنهج وتمثيل مفروض

لا يمكن الحديث عن حل جدي للأزمة دون التوقف عند القمع الذي طال النقابة المستقلة لمستخدمي الطرقات خلال السنة الماضية، ومنعها تعسفيًا من النشاط، بعد استدعاء أعضائها المؤسسين من طرف المديرية العامة للأمن الداخلي، في محاولة لإجبارهم على التخلي عن مشروعهم النقابي المستقل.

إن على الحكومة اليوم أن تتحمل مسؤوليتها بالسماح لهذه النقابة بممارسة حقها في التنظيم والنشاط، بدل فرض الاتحاد العام للعمال الجزائريين كنقابة “ممثلة”، رغم عجزه الكامل عن تمثيل العمال فعليًا، وتحوله إلى تنظيم منبوذ في مختلف القطاعات.

اعتقالات وسجن للمضربين : تصعيد خطير وكسر إضراب سائقي الشاحنات

شهدت الفترة الأخيرة حملات ممنهجة لاعتقال المضربين، حيث تم إيداع بعضهم السجن بتهم تتعلق بـ“المساس بالمصلحة الوطنية”. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل طاولت المتابعات القضائية حتى مواطنين قاموا بتصوير المضربين ونشر مقاطع فيديو على مواقع التواصل الاجتماعي.

وفي تصريح له، أكد رئيس الكنفدرالية النقابية للقوى المنتجة في آخر ظهور له على القناة الفضائية شمال إفريقيا أن:

“القبضة الأمنية واستغلال القضاء لقمع الحركة الاحتجاجية لسائقي الشاحنات يعكسان إفلاس السلطة ورفضها لأي حوار جاد. قمع النقابات المستقلة القادرة على تنظيم إضرابات مسؤولة، مع ضمان الحد الأدنى من الخدمة، لن يؤدي إلا إلى فوضى اجتماعية متراكمة، وعندما تنفجر هذه الفوضى، لن تجد السلطة من تحاوره.”

الإضراب ليس أزمة أمنية… بل عنوان إفلاس السياسات

إن إضراب ناقلي الشاحنات ليس أزمة أمنية، بل نتيجة مباشرة لسياسات عمومية فاشلة، وحوار اجتماعي مغيّب، وتمثيل نقابي مفروض بالقوة.

وأي مخرج حقيقي من هذه الأزمة يمر حتمًا عبر الاعتراف بالمطالب المشروعة، واحترام الحق في الإضراب، وفتح حوار جاد ومسؤول مع الممثلين الحقيقيين للعمال، بعيدًا عن الإنكار والتضليل والوصاية.

شاهد مداخلة رئيس الكنفدرالية على قناة شمال إفريقيا حول موضوع إضراب سائقي الشاحنات

📬 هل أعجبك هذا المقال؟ اشترك في نشرتنا البريدية لتصلك آخر الأخبار والبيانات الهامة مباشرة إلى بريدك.

Arabic