تشهد الجزائر في السنوات الأخيرة تصعيدًا خطيرًا في توظيف تهم الإرهاب لملاحقة المعارضين السياسيين والنقابيين المستقلين، في انحراف واضح عن مبادئ دولة القانون وضمانات المحاكمة العادلة. وتُعد قضية النقابي والسياسي إلياس تواتي من ولاية بجاية مثالًا صارخًا على هذا المسار القمعي، حيث تم وضعه رهن الحبس الاحتياطي استنادًا إلى المادة 87 مكرر من قانون العقوبات، واتهامه بالانتماء أو الإشادة بتنظيم مصنّف رسميًا كـ “تنظيم إرهابي”

صورة النقابي والسياسي إلياس تواتي

من هو إلياس تواتي ؟

إلياس تواتي هو نقابي مستقل وناشط في نقابة السناباب (SNAPAP)، وقيادي سياسي في حزب العمال الاشتراكي، معروف بمواقفه اليسارية الواضحة، وتضامنه المستمر مع القضايا الاجتماعية العادلة، ودفاعه عن الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والحريات العامة.

كما يُعرف برفضه القاطع لكل أشكال تقسيم البلاد، ومعارضته الشديدة للنظام السياسي القائم، ومطالبته (شأنه شأن شريحة واسعة من الشباب الجزائري) بتغيير ديمقراطي حقيقي يضع حدًا للاستبداد والفساد السياسي.

منشور لإلياس تواتي وهو يتضامن مع زميله من نقابة السناباب المطرود من العمل

تنظيم “الماك” وسياق الاتهام

تنظيم حركة تقرير مصير القبائل  (MAK)، الذي يتزعمه فرحات مهني، صنّفته السلطات الجزائرية سنة 2021 كـ «تنظيم إرهابي». وبموجب هذا التصنيف، بات كل تعامل معه، أو إشادة به، أو ترويج لأفكاره ( حتى عبر وسائل التواصل الاجتماعي ) معرضًا للمتابعة الجزائية بتهم تتعلق بالإشادة أو تمجيد الإرهاب، وفق نصوص فضفاضة لا تستوفي معايير الشرعية الجنائية الدقيقة.

غير أن المفارقة الخطيرة في قضية إلياس تواتي تكمن في أن صفحته على فيسبوك ومنشوراته العلنية توثّق بوضوح مواقفه الناقدة بشدة لتنظيم الماك وزعيمه، ورفضه الصريح لأطروحاته الانفصالية. ورغم ذلك، وجّهت له الجهات القضائية في  ولاية بجاية تهمة «الإشادة بالإرهاب»، في تجاهل تام للأدلة الرقمية والوقائع الموثقة التي تثبت عكس ذلك.

هاذا هو المنشور الذي بسبب إتهمه القضاء بالإشادة بالإرهاب

تهم فضفاضة وقضاء مُسخّر

لا يمكن فصل هذه القضية عن السياق الأوسع لتوظيف المادة 87 مكرر كأداة قمع سياسي. فالنص، بصيغته الحالية، يسمح بتوسيع غير مشروع لمفهوم «الإرهاب»، ويُستخدم لإسكات المعارضين والنقابيين والصحفيين، بدل حصره في مكافحة أفعال عنف حقيقية تهدد سلامة الأفراد والمجتمع.

وفي هذا الإطار، جاء تصريح رئيس الكونفدرالية، الأخ رؤوف ملال، ليؤكد حقيقة باتت جلية:

” قضية إلياس تواتي تؤكد بما لا يدع مجالًا للشك أن السلطة تستعمل تهمًا فضفاضة لسجن معارضيها بتهم مفبركة، وللأسف باستعمال القضاء الذي أصبح رهينة لدى سلطة سياسية وأمنية لا يهمها لا مصداقية القضاء ولا صورة الدولة أمام مواطنيها وأمام العالم “

هذا التصريح لا يعكس موقفًا سياسيًا فحسب، بل يُلخص واقعًا موثقًا في تقارير منظمات دولية، وهيئات أممية، ونقابات عالمية، بشأن تآكل استقلال القضاء في الجزائر وتحوله إلى أداة تنفيذية في يد السلطة.

استهداف العمل النقابي تحت غطاء “مكافحة الإرهاب”

قضية إلياس تواتي ليست حالة معزولة، بل تندرج ضمن هجوم ممنهج على الحق النقابي، واستهداف مباشر للنقابيين المستقلين الذين يرفضون الخضوع للنقابات الرسمية أو للترتيبات المفروضة من قبل السلطة. وتشكل قضية علي معمري، رئيس نقابة موظفي قطاع الثقافة والفنون، نموذجًا آخر على استغلال قوانين مكافحة الإرهاب لسجن النقابيين وإلصاق تهمة الإرهاب بهم بسبب نشاطهم النقابي أو مواقفهم السياسية النقدية.

إن توجيه تهمة الإرهاب لنقابيين على خلفية نشاطهم السلمي يشكل انتهاكًا صارخًا لاتفاقيات منظمة العمل الدولية، ولا سيما الاتفاقيتين رقم 87 و98، كما يمثل مساسًا خطيرًا بحرية التعبير وحرية التنظيم، ويُعد سابقة خطيرة تُفرغ مفهوم «مكافحة الإرهاب» من مضمونه الحقيقي، وتحوله إلى أداة قمع سياسي.

ضرورة تحرك دولي عاجل، بما في ذلك على مستوى الحكومات الديمقراطية

أمام هذا الانزلاق الخطير، لم يعد الصمت الدولي مقبولًا. إن استمرار تجريم العمل النقابي والمعارضة السياسية تحت ذريعة مكافحة الإرهاب لا يفرغ هذه السياسة من محتواها فحسب، بل يساهم أيضًا في إضعاف الجهود الدولية الحقيقية لمكافحة الإرهاب، من خلال تقويض الحاضنة الشعبية المشروعة التي تُعد شرطًا أساسيًا لاستتباب الأمن والسلم على الصعيد العالمي.

وانطلاقًا من ذلك، ترى الكونفدرالية النقابية للقوى المنتجة (COSYFOP) أن المسؤولية لا تقع على عاتق المنظمات الحقوقية والنقابية الدولية فقط، بل تشمل كذلك الحكومات، التي بات مطلوبًا منها تحرك عاجل عبر:

إن الدفاع عن إلياس تواتي، وعلي معمري، وغيرهما من النقابيين المسجونين، سواء كانوا من الاتحاد العام للعمال الجزائريين أو من النقابات المستقلة، هو دفاع عن جوهر الحق النقابي، وعن الحد الأدنى من دولة القانون، وعن مصداقية العدالة نفسها.

أما تحويل القضاء إلى أداة لإسكات المعارضين، فلن يؤدي إلا إلى تعميق الأزمة، داخليًا ودوليًا، وتقويض ما تبقى من ثقة المواطنين في مؤسسات الدولة.

فيديو نشره الأخ رؤوف ملال على قناته باليوتوب حول الموضوع

📬 هل أعجبك هذا المقال؟ اشترك في نشرتنا البريدية لتصلك آخر الأخبار والبيانات الهامة مباشرة إلى بريدك.

Arabic