إشارة أممية تعيد فتح الملف

أعادت المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بالمدافعين عن حقوق الإنسان السيدة ماري لولور تسليط الضوء على وضع الناشط البيئي والنقابي مصطفى لهويري، معبرة عن قلقها إزاء ما يتعرض له من مضايقات قضائية بسبب نشاطه السلمي في حماية الغابات.

هذا التصريح لا يحمل فقط بعداً إنسانياً، بل يشكل مؤشراً واضحاً على دخول نضال حماية البيئة في دائرة الاهتمام الدولي، في سياق أوسع يتعلق بوضع المدافعين عن الحقوق والحريات في الجزائر منذ حراك ألفين وتسعة عشر.

هذا الموقف الأممي يعكس تحولاً نوعياً في مقاربة الهيئات الدولية، حيث لم يعد التركيز مقتصراً على القضايا السياسية أو النقابية التقليدية، بل امتد ليشمل النقابيين المستقلين المدافعين عن البيئة باعتبارهم فاعلين أساسيين في حماية المصلحة العامة.

منشور المقررة الخاصة للأمم المتحدة بشأن مصطفى لهويري
لقطة شاشة توثيقية للمنشور الأممي الداعم لقضية مصطفى لهويري.

مصطفى لهويري: تقاطع النضال النقابي والبيئي

مصطفى لهويري ليس مجرد ناشط بيئي، بل هو قيادي نقابي ضمن الكنفدرالية النقابية للقوى المنتجة، وهو أول من ساهم في الجمع بين العمل النقابي والدفاع عن البيئة في مسار ميداني واضح. برز دوره بشكل لافت خلال موجات الحرائق التي شهدتها الجزائر السنوات الأخيرة، حيث ساهم في تنظيم فرق تطوعية للتدخل السريع والمساهمة في إخماد الحرائق عبر ربوع الوطن، في وقت كانت فيه الغابات تواجه تهديدات متزايدة.

هذا الدور الميداني تمثل في مبادرة نقابية تمثلت في تأسيس اللجنة الوطنية لحماية الغابات سنة 2018، وهي شبكة وطنية تضم أكثر من ألف متطوع ونقابي موزعين عبر مختلف ولايات البلاد، تعمل على حماية الإرث الغابي من خلال الرصد والتبليغ والتدخل الميداني.

شبكة وطنية في مواجهة الاستنزاف المنظم

اللجنة الوطنية لحماية الغابات التي يقودها مصطفى لهويري لم تكتف بالعمل التطوعي خلال الأزمات، بل تحولت إلى إطار مدني منظم يشتغل بشكل يومي على مراقبة الاعتداءات على الغابات، سواء تعلق الأمر بقطع الأشجار أو الحرائق المفتعلة أو الأنشطة المرتبطة بما يعرف بمافيا الفحم والصيد العشوائي.

هذا النشاط وضع أعضاء اللجنة في مواجهة مباشرة مع شبكات مصالح غير قانونية تستفيد من استنزاف الموارد الغابية، وهو ما يفسر طبيعة الضغوط التي بدأت تتصاعد ضدهم، خاصة مع توسع نشاط اللجنة وتأثيرها الميداني الملحوظ الذي اصبح يحسب له ألف حساب.

من الدفاع عن البيئة إلى دائرة الاستهداف

مع تنامي تأثير اللجنة، بدأت تظهر أشكال متعددة من التضييق، تمثلت أساساً في متابعات قضائية طالت عدداً من قياداتها وأعضائها، حيث يواجه حالياً سبعة من الناشطين إجراءات قضائية وُصفت بأنها مبنية على تهم ملفقة، وقد تم سجن أحدهم قبل الإفراج عنه مؤخراً.

إلى جانب ذلك، تعرض عدد كبير من المنخرطين لضغوط مهنية وصلت إلى حد الطرد من العمل، في محاولة واضحة لدفعهم إلى الانسحاب من النشاط البيئي. غير أن هذه السياسة لم تحقق أهدافها، بل ساهمت في تعزيز التضامن داخل اللجنة وزيادة عدد المنخرطين، في مؤشر على قوة الالتزام الذي يحرك هذا الفضاء المدني.

خلفيات التصعيد: البيئة كواجهة لصراع أوسع

قراءة هذا التصعيد لا يمكن فصلها عن السياق العام الذي تعيشه الجزائر منذ سنوات، حيث تشير المعطيات إلى فرض قيود متزايدة على النشطاء في مختلف المجالات. في هذا الإطار، يصبح الدفاع عن البيئة نشاطاً يحمل أبعاداً سياسية غير مباشرة، خاصة عندما يصطدم بمصالح اقتصادية غير قانونية أو يساهم في تنظيم المجتمع المدني خارج الأطر التقليدية.

هنا تتقاطع ثلاثة عناصر أساسية، تتمثل في العمل النقابي المستقل، والدفاع البيئي، ومواجهة شبكات الفساد المرتبطة بالموارد الطبيعية، وهو ما يجعل من قضية مصطفى لهويري نموذجاً مكثفاً لهذا التداخل.

دعم أممي يعزز موقع النقابات المستقلة

تصريح المقررة الأممية يمنح هذه القضية بعداً جديداً، إذ يشكل اعترافاً دولياً بشرعية النضال الذي يقوده المدافعون عن البيئة والنقابيون المستقلون. كما يعزز موقع النقابات المستقلة في الجزائر، التي تواجه بدورها تحديات تتعلق بالاعتراف والحرية النقابية.

هذا الدعم لا يقتصر على البعد الرمزي، بل يفتح المجال أمام تدويل هذه القضايا ووضعها ضمن آليات المتابعة الدولية، وهو ما قد يشكل عامل ضغط إضافي من أجل احترام الحقوق الأساسية وضمان بيئة آمنة للمدافعين عن الشأن العام.

معركة مفتوحة على الشرعية والمستقبل

في المحصلة، لم تعد قضية مصطفى لهويري مجرد حالة فردية، بل تحولت إلى اختبار حقيقي لطبيعة العلاقة بين الدولة والمجتمع المدني، خاصة في المجالات التي تمس المصلحة العامة مثل حماية البيئة والعمل النقابي.

المؤشرات الحالية تفيد بأن الضغوط لم تؤد إلى إضعاف هذا الحراك، بل ساهمت في تقويته وتوسيع قاعدته، في وقت بدأ فيه الاهتمام الدولي يتزايد. وبين تصاعد الدعم الخارجي واستمرار التحديات الداخلية، تبدو هذه القضية مفتوحة على مسارات متعددة، سيكون لها أثر مباشر على مستقبل العمل البيئي والنقابي المستقل في الجزائر.

مصطفى لهويري ونشرية قناة شمال إفريقيا
صورة لمصطفى لهويري مرفقة بنشرية إعلامية بثتها قناة شمال إفريقيا، توثق جانباً من نشاطه في الدفاع عن البيئة والعمل النقابي.

📬 هل أعجبك هذا المقال؟ اشترك في نشرتنا البريدية لتصلك آخر الأخبار والبيانات الهامة مباشرة إلى بريدك.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *