شهادة صادمة لشاب جزائري أعادت ملف حراقة الجزائر إلى الواجهة، بعد أن تحدث هذا الشاب الذي غادر البلاد عبر البحر عن تسهيلات قال إنها قُدمت لخروج قاربه من سواحل عنابة، في وقت تكشف فيه تحقيقات أوروبية عن شبكات منظمة تستعمل قوارب فائقة السرعة وتفرض مبالغ تصل إلى اثني عشر ألف يورو للشخص.

هذه المعطيات تضع ملف الهجرة غير النظامية أمام أسئلة تتجاوز وصول القوارب إلى أوروبا، لتشمل ظروف خروجها من السواحل الجزائرية، وحجم الشبكات التي تحقق ملايين اليوروهات من هذه التجارة، ومدى قدرة مؤسسات الدولة على تفكيكها، فضلاً عن استمرار المقاربة الأوروبية التي تركز على الأمن والترحيل أكثر من تركيزها على الأسباب السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تدفع الشباب إلى الهروب.

أعادت حلقة برنامج “حقوق وحريات”، التي بثتها قناة شمال إفريقيا مساء السبت الخامس عشر من أوت ألفين وستة وعشرين، ملف «الحرقة» إلى واجهة النقاش من زاوية تتجاوز البطالة واليأس الاجتماعي لتلامس جوانب أكثر حساسية وخطورة تتعلق بشبكات تهريب المهاجرين، وكيفية خروج القوارب السريعة من السواحل الجزائرية، ومدى فعالية الرقابة البحرية، فضلاً عن شبهات وجود تسهيلات أو تواطؤ من داخل الأجهزة المكلفة أصلاً بمراقبة السواحل ومنع هذه الرحلات. وقد خُصصت الحلقة لقضايا الشباب الجزائري بمناسبة اليوم الدولي للشباب، بمشاركة رئيس الكنفدرالية النقابية للقوى المنتجة رؤوف ملال، والناشط الحقوقي إسحاق مناد، والناشط فوزي طلاعة.

وخلال النقاش، قدم الناشط فوزي طلاعة، المقيم حالياً في باريس، وهو ابن أحد المختطفين خلال فترة التسعينيات وناشط في جمعية عائلات المختطفين، شهادة مباشرة عن رحلة هجرته غير النظامية من الجزائر خلال السنة الماضية، وتحدث عن نوع من الرحلات يعرف بين الشباب والحراقة باسم “السريع”، نسبة إلى استعمال قوارب مجهزة بمحركات قوية تسمح بقطع المسافة بين السواحل الجزائرية والإسبانية في وقت أقصر، وتُسوَّق للراغبين في الهجرة باعتبارها أكثر أماناً وأعلى احتمالاً للوصول من الرحلات التقليدية، مؤكداً أن تكلفة الرحلة بالنسبة إلى الشخص الواحد تتجاوز عشرة آلاف يورو.

غير أن أخطر ما جاء في شهادته يتعلق بظروف مغادرة القارب للسواحل الجزائرية، فقد أكد طلاعة أنه، قبل انطلاق القارب الذي كان على متنه من سواحل عنابة، شاهد صاحب القارب يتلقى عبر الهاتف ما وصفه بـ “تصريح هاتفي بالخروج”، مضيفاً أن عملية المغادرة جرت، بتسهيلات من عناصر تابعة لحرس السواحل في عنابة، وهي شهادة تثير، شبهات بالغة الخطورة حول احتمال استفادة بعض شبكات الهجرة غير النظامية من تسهيلات يقدمها أشخاص داخل الأجهزة المكلفة بمراقبة الحدود البحرية.

إن الكنفدرالية النقابية للقوى المنتجة لا تتعامل مع هذه الشهادة بوصفها حكماً قضائياً أو دليلاً كافياً بمفرده لإثبات تورط مؤسسة حرس السواحل أو الأجهزة الأمنية ككل، غير أنها ترى أن شهادة علنية ومحددة، قدمها ناشط حقوقي شارك شخصياً في الرحلة وروى تفاصيلها باسمه وعلى المباشر أمام جمهور تلفزيوني، لا يمكن تجاهلها، بل تستوجب تحقيقاً مستقلاً وجاداً وشفافاً للتحقق مما ورد فيها وتحديد المسؤوليات إن ثبت وجودها.

وتزداد أهمية هذه الشهادة لكونها، بحسب ما رصدته الكنفدرالية، ليست الأولى من نوعها، فقد وردت إليها خلال الفترة الماضية شهادات مماثلة، كما تداول حراقة جزائريون عبر مواقع التواصل الاجتماعي روايات تتحدث عن تسهيلات مزعومة لخروج بعض القوارب وعن أن بعض الرحلات لا تنطلق إلا بعد الحصول على موافقة أو إشارة من أشخاص يُقال إن لهم صلة بحرس السواحل، ولا تشكل هذه الروايات المتعددة في حد ذاتها إثباتاً قضائياً، لكنها تزيد من ضرورة إخضاع هذه الادعاءات للتحقيق والتحقق بدلاً من تركها تتراكم في المجال العام دون إجابة.

وتكتسب شهادة فوزي طلاعة بعداً إضافياً في ضوء ما كشفته السلطات الأوروبية مؤخراً بشأن الطابع المنظم والاحترافي لشبكات الهجرة عبر القوارب السريعة انطلاقاً من الجزائر، إذ تتقاطع بعض التفاصيل التي رواها، ولا سيما ما يتعلق بنوعية القوارب وقوة محركاتها وارتفاع تكلفة الرحلات، مع وقائع كشفت عنها تحقيقات أمنية أوروبية بشأن شبكات تعمل على ضفتي المتوسط وتجني ملايين اليوروهات من نقل المهاجرين.

شهادة صادمة للناشط الحقوقي فوزي طلاعة الذي خرج من الجزائر مستعملاً “قوارب الموت”، يتهم فيها عناصر من حرس السواحل بتقديم تسهيلات وإعطاء الضوء الأخضر للخروج. المصدر: قناة شمال إفريقيا

اثنا عشر ألف يورو للشخص وثمانية عشر قارباً سريعاً وأرباح تتجاوز أربعة وعشرين مليون يورو

في السابع من أوت ألفين وستة وعشرين، أي قبل أيام قليلة فقط من بث شهادة فوزي طلاعة، أعلنت وزارة الداخلية الإسبانية تفكيك واحدة من أكبر الشبكات الإجرامية العابرة للحدود المتخصصة في تهريب المهاجرين بحراً عبر غرب المتوسط، في عملية مشتركة نفذتها الشرطة الوطنية والحرس المدني بمشاركة وكالة الاتحاد الأوروبي للتعاون في مجال إنفاذ القانون Europol.

ووصفت السلطات الإسبانية الشبكة بأنها ذات أصل جزائري وتتمتع بمستوى عالٍ من التنظيم والاحتراف والقدرات اللوجستية والتشغيلية، فيما أظهرت نتائج التحقيق أنها تمكنت من تنظيم ما لا يقل عن أربع وستين عملية نقل بحري شملت أكثر من ألفي مهاجر، محققة عائدات تجاوزت أربعة وعشرين مليون يورو، وأسفرت العملية الأمنية عن توقيف ثمانية وسبعين شخصاً، سبعة وسبعين منهم في إسبانيا وشخص واحد في الجزائر، في مؤشر واضح على الطبيعة العابرة للحدود لهذه الشبكة وتشعب امتداداتها.

كما حجز المحققون ثمانية عشر قارباً سريعاً تقدر قيمتها الإجمالية بأكثر من خمسة ملايين يورو، يصل طول بعضها إلى أربعة عشر متراً ومزود بثلاثة أو أربعة محركات عالية القوة، وكشفت التحقيقات كذلك عن استخدام الشبكة أجهزة تحديد المواقع GPS وهواتف ووسائل اتصال عبر الأقمار الصناعية وأنظمة اتصال مشفرة، إلى جانب بنية لوجستية متكاملة لتأمين الوقود والتمويل ومراقبة تحركات القوارب.

أما تكلفة الرحلات فتتقاطع بشكل لافت مع ما ورد في شهادة فوزي طلاعة، إذ أكدت السلطات الإسبانية أن الشبكة كانت تتقاضى ما يصل إلى اثني عشر ألف يورو عن الشخص الواحد، في حين كانت بعض القوارب تقل على متنها ما يصل إلى خمسين مهاجراً في الرحلة الواحدة، وهي أرقام تؤكد أننا لم نعد أمام ظاهرة عشوائية يقوم فيها عدد محدود من الشباب بشراء قارب صغير ومحاولة عبور المتوسط خلسة، بل أمام صناعة إجرامية عابرة للحدود تدر ملايين اليوروهات وتعتمد على قوارب باهظة الثمن ومحركات فائقة القوة وتمويل واتصالات وشبكات لوجستية منظمة.

والأكثر إثارة للقلق أن التحقيق الإسباني كشف أن نشاط الشبكة لم يقتصر على تهريب المهاجرين، إذ كانت القوارب نفسها تُستخدم، بحسب السلطات الإسبانية، لنقل المخدرات الاصطناعية من إسبانيا إلى الجزائر، ثم تُستغل رحلات العودة لنقل المهاجرين من السواحل الجزائرية باتجاه إسبانيا، وهو ما يكشف عن نموذج إجرامي أكثر تعقيداً يستغل المسار البحري نفسه في الاتجاهين ويجمع بين تهريب البشر والاتجار غير المشروع.

من يحمي هذه الصناعة داخل الجزائر؟

ليس من الجدي اختزال المسألة في القول إن الجزائر تمتلك غواصات وسفناً حربية وطائرات مراقبة، وبالتالي يفترض أن تكون قادرة آلياً على اكتشاف كل قارب صغير أو سريع يغادر سواحلها، فالمراقبة البحرية أكثر تعقيداً من ذلك ولا يمكن لأي جهاز أمني أن يضمن مراقبة كل شبر من الساحل في كل لحظة، غير أن الصورة تتغير جذرياً عندما لا نكون أمام محاولات فردية ومعزولة، بل أمام نشاط متكرر ومنظم وشديد الربحية تستخدم فيه قوارب يصل طول بعضها إلى أربعة عشر متراً ومزودة بثلاثة أو أربعة محركات قوية، وتعتمد شبكاته على الوقود والتمويل والاتصالات والتجهيزات اللوجستية المتطورة.

هذا المستوى من التنظيم يفترض وجود سلسلة كاملة تبدأ بالحصول على القوارب والمحركات وقطع الغيار والوقود وتجهيزها داخل الجزائر أو إدخالها إليها في ظل القيود المفروضة على الاستيراد، وتمتد إلى تحصيل مبالغ كبيرة باليورو وتحويلها خارج القنوات المصرفية الرسمية، وهو ما يضع السوق الموازية للعملة ومسارات الأموال المحتملة ضمن الجوانب التي ينبغي أخذها بعين الاعتبار عند التحقيق في البنية المالية لهذه الشبكات، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بنشاط قادر على توليد عشرات أو مئات آلاف اليوروهات في الرحلة الواحدة.

كما أن قياس فعالية العمل الأمني والقضائي يستوجب معرفة عدد القوارب السريعة والمحركات عالية القوة التي تمت مصادرتها داخل الجزائر، وعدد الشبكات المتخصصة في تنظيم وتمويل هذه الرحلات التي تم تفكيكها، وعدد الأشخاص الذين تمت متابعتهم قضائياً، إلى جانب مدى وجود تحقيقات تتعلق باحتمال تورط موظفين عموميين أو عناصر أمن أو أفراد من حرس السواحل في توفير معلومات أو حماية أو تسهيلات لهذه الشبكات.

هذه الاتهامات هي عناصر يفرضها حجم النشاط ودرجة تنظيمه والأموال التي يدورها، وتصبح أكثر إلحاحاً بعد الشهادة العلنية التي قدمها فوزي طلاعة والمعطيات التي كشفتها السلطات الإسبانية حول شبكات تستخدم القوارب السريعة بين الجزائر وإسبانيا في أنشطة تهريب منظمة وعابرة للحدود، وهو ما يجعل التحقيق في البيئة التي تسمح لهذه المنظومة بالاستمرار جزءاً أساسياً من أي سياسة حقيقية لمكافحة الظاهرة.

السلطات تنشر أعداد الموقوفين… لكن أين التفاصيل؟

من المهم تصحيح فكرة متداولة مفادها أن السلطات الجزائرية تلتزم صمتاً كاملاً بشأن الهجرة غير النظامية، إذ تنشر وزارة الدفاع الوطني بصورة دورية حصائل عن عمليات حرس السواحل، ففي حصيلة منشورة بتاريخ الثاني والعشرين من جويلية ألفين وستة وعشرين أعلنت الوزارة أن حرس السواحل أحبط محاولات للهجرة غير النظامية وأنقذ ستمائة وثمانية عشر شخصاً كانوا على متن قوارب تقليدية الصنع.

غير أن هذه المعطيات، على أهميتها، تبقى جزئية ولا تسمح وحدها بفهم الحجم الحقيقي للظاهرة أو تقييم مدى فعالية السياسات الأمنية والقضائية المخصصة لمواجهتها، فالإعلان عن عدد الأشخاص الذين يتم اعتراضهم أو إنقاذهم في البحر يعكس جانباً واحداً فقط من الملف، بينما تبقى عناصر أساسية أخرى خارج الصورة، وفي مقدمتها طبيعة القوارب المستعملة وقوة محركاتها ومسارات انطلاقها وحجم الشبكات المنظمة التي تقف خلفها.

وتزداد أهمية هذه التفاصيل مع التحول الذي عرفته ظاهرة «الحرقة» من محاولات فردية تعتمد أساساً على قوارب تقليدية الصنع إلى نشاط أكثر تنظيماً يستخدم قوارب سريعة ومحركات قوية وشبكات تمويل واتصال ونقل عابرة للحدود، ولذلك فإن تقييم فعالية أجهزة الدولة لا يمكن أن يقتصر على عدد الحراقة الذين يتم اعتراضهم، بل ينبغي أن يشمل أيضاً عدد القوارب والمحركات التي تمت مصادرتها، وعدد شبكات التهريب التي جرى تفكيكها، وعدد المنظمين والممولين والوسطاء الذين تمت متابعتهم قضائياً، وقيمة الأموال والمعدات المحجوزة.

كما أن غياب حصيلة وطنية مجمعة ومفصلة يجعل من الصعب قياس مدى قدرة السلطات على استهداف البنية الحقيقية لهذه الشبكات بدلاً من الاكتفاء بالتعامل مع الحلقة الأخيرة والأكثر هشاشة فيها، أي الشباب الذين يتم اعتراضهم في البحر، فيما تكتسي الشفافية بشأن التحقيقات المتعلقة باحتمال وجود تسهيلات من موظفين عموميين أو أفراد داخل الأجهزة المكلفة بمراقبة السواحل أهمية خاصة في ضوء الشهادات المتداولة وما كشفته التحقيقات الإسبانية عن المستوى العالي من التنظيم الذي بلغته بعض الشبكات المرتبطة بالمسار الجزائري.

وعلى كل حال فإن نشر أرقام الاعتراض والإنقاذ أمر مهم، لكنه لا يكفي وحده لبناء الثقة أو تقييم السياسة العامة بصورة موضوعية، فالمحاسبة تبدأ بإتاحة المعلومة، والشفافية تقتضي نشر حصيلة وطنية دورية وشاملة توضح عدد الأشخاص الذين تم اعتراضهم وحجم الشبكات التي تم تفكيكها ونوعية الوسائل التي تمت مصادرتها ومسارات التمويل والتهريب ونتائج التحقيقات القضائية المرتبطة بتسهيل هذه العمليات.

الجزائر أصبحت نقطة انطلاق مركزية في غرب المتوسط

في الأشهر الخمسة الأولى من سنة ألفين وستة وعشرين سجلت وكالة Frontex  تراجعاً يقارب أربعين في المائة في إجمالي عمليات رصد العبور غير النظامي للحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي، واستمر الانخفاض خلال النصف الأول من السنة بنحو سبعة وثلاثين في المائة، غير أن مسار غرب المتوسط شكل الاستثناء الرئيسي، إذ واصل تسجيل ارتفاع وربطت الوكالة الأوروبية هذا الاتجاه أساساً بالانطلاقات القادمة من الجزائر.

وتزداد دلالة هذه الأرقام عند مقارنتها بما حدث خلال السنة السابقة، ففي الأشهر العشرة الأولى من سنة ألفين وخمسة وعشرين ذكرت Frontex أن أكثر من خمسة وسبعين في المائة من المهاجرين الذين سلكوا مسار غرب المتوسط انطلقوا من الجزائر، كما أكدت الوكالة لاحقاً استمرار الجزائر بوصفها المحرك الرئيسي للهجرة على هذا المسار، وهو ما يدل على أن الارتفاع المسجل في ألفين وستة وعشرين ليس ظاهرة ظرفية ظهرت خلال بضعة أسابيع، بل امتداد لاتجاه ترسخ منذ السنة السابقة على الأقل.

وتظهر بيانات مجلس الاتحاد الأوروبي بدورها الوزن المتزايد للجزائر على هذا المسار، إذ كان الجزائريون حتى نهاية أفريل ألفين وستة وعشرين أكبر جنسية مسجلة على مسار غرب المتوسط بنحو ألف وتسعمائة وواحد وثمانين شخصاً، في وقت بلغت فيه عمليات الوصول غير النظامي على مختلف المسارات الغربية قرابة ثمانية آلاف حالة.

تكشف هذه المعطيات عن تحول واضح في ضغط الهجرة نحو أوروبا، فبينما تراجعت التدفقات على عدد من المسارات الأخرى، استمر المسار المرتبط بالسواحل الجزائرية في الارتفاع، وتزامن ذلك مع تطور شبكات النقل إلى بنية إجرامية عالية التنظيم والتجهيز، وهو ما يجعل الهجرة المنطلقة من الجزائر ظاهرة تستحق معالجة خاصة تتجاوز أمن الحدود لتشمل أسبابها الداخلية وتمويلها وشبكاتها اللوجستية ومدى قدرة المؤسسات الجزائرية والأوروبية على تفكيكها.

الحرقة ليست مشكلة حدود فقط… إنها أزمة دولة وثقة

الهجرة غير النظامية ليست في أصلها مشكلة حدود، بل نتيجة لتراكم اختلالات اقتصادية واجتماعية وسياسية تجعل جزءاً من الشباب يفقد تدريجياً ثقته في إمكانية بناء مستقبله داخل الجزائر، فالشاب الذي يغامر بحياته في البحر لم يولد «حراقاً»، وإنما يصل إلى هذا القرار بعد مسار طويل من البطالة والبيروقراطية وصعوبة الاستقلال الاقتصادي والاجتماعي وانسداد الأفق المهني وضعف القدرة على التأثير في الحياة العامة والسياسية.

وفق تقديرات منظمة العمل الدولية المنشورة ضمن قاعدة بيانات البنك الدولي، بلغ معدل البطالة بين الشباب الجزائريين الذين تتراوح أعمارهم بين خمسة عشر وأربعة وعشرين عاماً تسعة وعشرين فاصل أربعة في المائة سنة ألفين وخمسة وعشرين، وارتفع بين الشابات إلى خمسة وأربعين في المائة مقابل ستة وعشرين فاصل خمسة في المائة بين الشباب الذكور.

وتوضح هذه المعطيات أن المشكلة لا تكمن في نقص التعليم أو المؤهلات فحسب، وإنما في ضعف قدرة الاقتصاد وسوق العمل على استيعاب جيل أكثر تعليماً وطموحاً، فالبنك الدولي يسجل أن النساء يمثلن أكثر من نصف خريجي تخصصات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات في الجزائر، في الوقت الذي تظل فيه بطالة الشابات مرتفعة للغاية، وهي مفارقة تغذي الشعور بأن التعليم والاجتهاد لا يضمنان بالضرورة الانتقال إلى عمل مستقر واستقلال اقتصادي.

غير أن تفسير الحرقة بالعوامل الاقتصادية وحدها يبقى ناقصاً، فالأزمة ترتبط أيضاً بمدى شعور الشباب بأنهم جزء من المجال العام وأن لديهم أدوات سلمية حقيقية للتعبير والتنظيم والتأثير في السياسات التي تمس حياتهم، وقد أشار المقرر الخاص للأمم المتحدة المعني بحرية التجمع السلمي وتكوين الجمعيات، بعد زيارته الرسمية إلى الجزائر، إلى قيود وممارسات تمس قدرة المجتمع المدني والنشطاء على التنظيم والتجمع والعمل بحرية، وهو ما يجعل المشاركة السياسية والمدنية جزءاً أساسياً من فهم أزمة الثقة الأوسع.

وعندما تجتمع البطالة مع هشاشة الاستقلال الاجتماعي وضيق فضاءات المشاركة يتحول الإحباط من مشكلة فردية إلى أزمة ثقة في المستقبل، وتصبح الحرقة بالنسبة إلى جزء من الشباب أكثر من مجرد بحث عن دخل أعلى، بل مخرجاً من وضع يشعر بأنه عاجز عن تغييره من الداخل، ولهذا تقع المسؤولية الأولى على السلطة التي تملك الميزانية والإدارة وأدوات السياسة الاقتصادية والتشغيلية والمؤسسات الأمنية والتشريعية، وبالتالي تملك القدرة الأساسية على تغيير الظروف التي تنتج هذا الإحباط.

وفي الوقت نفسه، لا تعفى المعارضة الجزائرية من مسؤوليتها السياسية وإن كانت مسؤوليتها لا يمكن مساواتها بمسؤولية السلطة، فقد عجز جزء كبير منها على امتداد السنوات الماضية عن بناء تنظيمات واسعة وقادرة على الوصول إلى الأجيال الجديدة وتحويل غضب الشباب ومطالبهم إلى مشاركة سياسية ومدنية مستمرة، كما لم تنجح في تقديم بديل منظم ومقنع يجعل الشاب يشعر بأن التغيير ما زال احتمالاً عملياً وليس مجرد حلم بعيد المنال.

مشكلة الشباب ليست التشغيل فقط… بل أيضاً الحق في التنظيم

اختزال أزمة الشباب الجزائري في البطالة ونقص فرص العمل يعالج جانباً من المشكلة ويترك جذورها السياسية والاجتماعية دون معالجة، فالعمل اللائق وفق مبادئ منظمة العمل الدولية لا ينفصل عن حرية التنظيم والحوار الاجتماعي والقدرة الجماعية على الدفاع عن المصالح، ومن هذا المنظور تظل برامج التكوين والتشغيل محدودة الأثر إذا لم تترافق مع فضاء مستقل يسمح للشباب بالتنظيم والمشاركة والتعبير عن مطالبهم بصورة قانونية وسلمية.

ويبرز هذا التناقض في الجزائر بوضوح، ففي الوقت الذي يمول فيه الاتحاد الأوروبي وتنفذ منظمة العمل الدولية مشروع Y-NEET لدعم الشباب غير الموجودين في العمل أو التعليم أو التكوين، وتتضمن أنشطته تعاوناً مع الوزارات ومؤسسات التشغيل والهيئات الحكومية، تواصل أجهزة الرقابة التابعة لمنظمة العمل الدولية تسجيل إشكالات وقيود مرتبطة بحرية التنظيم النقابي، وقد تناولت لجنة الحرية النقابية من بينها القضية رقم 3434 المتعلقة بشكوى الكنفدرالية النقابية للقوى المنتجة ضد الحكومة الجزائرية، فيما واصلت لجنة الخبراء إبداء ملاحظاتها بشأن التشريعات المنظمة للحق النقابي والإضراب.

كما يقر الاتحاد الأوروبي بدوره بوجود صعوبات تواجه العمل النقابي في الجزائر، فقد أشار تقريره حول حقوق الإنسان والديمقراطية لعام ألفين وخمسة وعشرين إلى الإجراءات القضائية والسجن التي طالت مسؤولين نقابيين، وهو ما يعني أن المؤسسات الأوروبية والدولية التي تمول برامج لدعم الشباب تملك في الوقت نفسه معطيات رسمية عن القيود التي تواجه التنظيم النقابي المستقل.

وتكمن أهمية هذا الجانب في أن الشاب الذي يعاني البطالة ولا يجد في الوقت نفسه نقابة مستقلة أو جمعية أو فضاءً مدنياً يستطيع من خلاله تنظيم مطالبه والدفاع عنها يصبح أكثر ميلاً إلى البحث عن حلول فردية بعيداً عن التنظيم، ولذلك فإن معالجة هشاشة الشباب لا ينبغي أن تقتصر على تمويل برامج تقنية للتشغيل أو دعم الإدارات العمومية، بل تستوجب إشراك النقابات المستقلة والمجتمع المدني وممثلي الشباب في تصميم هذه البرامج وتنفيذها وتقييم نتائجها، وهو توجه ينسجم أصلاً مع ميثاق المتوسط وخطة عمل الاتحاد الأوروبي لعام ألفين وستة وعشرين اللذين يضعان تمكين الشباب والمجتمع المدني ضمن أولويات الشراكة.

فالحق في التنظيم ليس ملفاً منفصلاً عن التشغيل أو الهجرة، لأن قدرة الشباب على التنظيم والتعبير والمفاوضة والدفاع سلمياً عن مصالحهم توفر بديلاً جماعياً عن البحث الفردي عن النجاة، وبالتالي يجب أن يكون دعم النقابات المستقلة والمجتمع المدني المستقل جزءاً من أي سياسة أوروبية أو دولية جادة لمعالجة أسباب الهجرة من الجزائر.

إلى الاتحاد الأوروبي: لا تختزلوا شباب الجزائر في ملف أمني

أصبحت الهجرة الجزائرية تحتل موقعاً متقدماً في النقاش الأوروبي حول الترحيل وإعادة القبول ومراقبة الحدود، ففي الربع الأول من سنة ألفين وستة وعشرين كان الجزائريون أكبر جنسية بين الأشخاص الذين صدرت بحقهم أوامر بمغادرة دول الاتحاد الأوروبي بأكثر من أحد عشر ألف شخص، أي ما يزيد على عشرة في المائة من مجموع أوامر المغادرة خلال تلك الفترة، غير أن اختزال هذا الواقع في عدد الأشخاص الواجب ترحيلهم أو في درجة تعاون الجزائر على استعادتهم يؤدي إلى تحويل قضية اجتماعية وإنسانية وسياسية معقدة إلى مجرد ملف إداري وأمني.

وتظهر هذه المقاربة في النقاشات الأوروبية التي تربط أحياناً بين التعاون مع الجزائر وبين ملفات إعادة القبول والتأشيرات والتمويل والعلاقات الثنائية، ومع استمرار هذه السياسة يتحول المهاجر الجزائري، ولا سيما الشاب الموجود في وضع هش، إلى عنصر داخل معادلة تفاوضية بين الحكومات بدلاً من التعامل معه باعتباره صاحب حقوق ومواطناً دفعت به ظروف معينة إلى الهجرة، في حين ينبغي الفصل بوضوح بين مكافحة شبكات التهريب، وهي مسؤولية مشروعة للدول، وبين استخدام المهاجرين أنفسهم كأداة ضغط سياسي أو دبلوماسي.

ويكتسب هذا الأمر أهمية خاصة لأن الاتحاد الأوروبي أعلن بنفسه، من خلال ميثاق المتوسط والسياسات المرتبطة بمسار غرب المتوسط، أن شراكته مع دول جنوب المتوسط يجب أن تشمل فرص الشباب والتنقل القانوني والتعليم والتشغيل وحماية الحقوق إلى جانب إدارة الهجرة، وبالتالي فإن مصداقية هذه الالتزامات تقاس بمدى ترجمتها إلى سياسات عملية وليس فقط بقدرة أوروبا على خفض عدد الوافدين إلى حدودها.

كما ينبغي أن يخضع التعاون الأوروبي مع السلطات الجزائرية في ملفات الهجرة والتنمية لمعايير أكثر وضوحاً من حيث الشفافية والنتائج، فالتمويل الأوروبي لا ينبغي أن يُقيّم فقط بعدد مشاريع التكوين أو البرامج الحكومية المعلنة، بل بمدى وصوله إلى الشباب فعلياً وبقدرته على دعم بيئة تسمح بالمشاركة المستقلة والتنظيم والدفاع السلمي عن المصالح، وهو ما يجعل مشاركة النقابات المستقلة ومنظمات المجتمع المدني ذات المصداقية في تصميم البرامج ومتابعتها وتقييمها مسألة جوهرية وليست مجرد إضافة شكلية.

إن المقاربة الأوروبية الأكثر فاعلية ليست تلك التي تبدأ عند وصول القارب إلى الشاطئ الإسباني أو الفرنسي، بل التي تراقب أيضاً أثر سياساتها في الضفة الجنوبية للمتوسط، فالاستثمار في الاستقرار الحقيقي يقتضي دعم البيئة التي تسمح للمواطنين بالتعبير والتنظيم والمطالبة بحقوقهم بصورة سلمية ومراقبة أثر المساعدات العامة، وعدم الاكتفاء بالتعامل مع الحكومات باعتبارها الشريك الوحيد في إدارة قضايا الشباب والهجرة.

ومن هذا المنطلق، لا ينبغي أن يكون نجاح التعاون الأوروبي الجزائري مرهوناً فقط بعدد عمليات الترحيل المنفذة أو الاتفاقات الأمنية المبرمة، بل بمدى مساهمته في تقليص العوامل التي تدفع الشباب إلى البحث عن مستقبلهم خارج البلاد وبمدى احترام الحقوق التي يفترض أن تقوم عليها الشراكة الأوروبية المتوسطية نفسها، لأن أمن المتوسط لا يتحقق فقط بمنع القوارب من الوصول، بل بتراجع الأسباب التي تجعل الشباب يرون في الهجرة غير النظامية مخرجاً أكثر واقعية من البقاء داخل بلدهم.

الكنفدرالية النقابية للقوى المنتجة تطالب بتحقيق مستقل وشفاف

على ضوء شهادة فوزي طلاعة والمعطيات التي كشفتها التحقيقات الإسبانية، تطالب الكنفدرالية النقابية للقوى المنتجة بفتح تحقيق مستقل وشفاف في شبكات الهجرة غير النظامية المرتبطة بالقوارب السريعة، يشمل مصادر القوارب والمحركات والتمويل والوقود ونقاط الانطلاق، ويمتد إلى كل ادعاء يتعلق بتقديم تسهيلات أو حماية أو معلومات من موظفين عموميين أو أفراد داخل الأجهزة المكلفة بمراقبة السواحل.

كما تطالب الكنفدرالية وزارتي الدفاع والداخلية بنشر حصيلة وطنية دورية ومفصلة حول القوارب والمحركات المحجوزة والشبكات التي تم تفكيكها والمتابعات القضائية ومسارات التمويل ونتائج أي تحقيقات تتعلق بشبهات فساد أو تواطؤ داخل مؤسسات الدولة، مع ضمان حماية الشهود وعائلاتهم من أي ضغوط أو أعمال انتقامية.

وتدعو الكنفدرالية الاتحاد الأوروبي والدول الأكثر ارتباطاً بمسار غرب المتوسط، ولا سيما إسبانيا وفرنسا، إلى ربط تعاونها مع الجزائر في ملف الهجرة بمعايير واضحة تتعلق بالشفافية واحترام الحقوق والحريات وحرية التنظيم وإشراك النقابات المستقلة والمجتمع المدني في البرامج الموجهة للشباب، بدلاً من حصر التعاون في مراقبة الحدود والترحيل وإعادة القبول.

وفي الوقت نفسه، تدعو الكنفدرالية منظمات المجتمع المدني الجزائري المستقل والنقابات المستقلة والمنظمات الحقوقية الجزائرية والدولية ومراكز البحث والخبراء المهتمين بالهجرة وحقوق الإنسان إلى إخراج هذا الملف من دائرة الأخبار المتفرقة والتعامل معه باعتباره قضية تستحق عملاً توثيقياً وتحليلياً متواصلاً، من خلال جمع الشهادات والتحقق منها ونشر المقالات والدراسات ومتابعة الجوانب المالية واللوجستية والحقوقية المرتبطة بالهجرة غير النظامية.

كما تدعو هذه المنظمات إلى نقل المعطيات والتحليلات المرتبطة بالملف بصورة منظمة إلى المؤسسات الأوروبية، ولا سيما المفوضية الأوروبية والبرلمان الأوروبي وخدمة العمل الخارجي الأوروبي، والعمل على إدراجها ضمن النقاش حول العلاقات بين الجزائر والاتحاد الأوروبي وسياسات الهجرة في غرب المتوسط، حتى لا يظل التعامل مع الظاهرة محصوراً في التفاهمات الأمنية بين الحكومات بعيداً عن الرقابة المستقلة والمساءلة المدنية.

بالنسبة إلى الكنفدرالية، فإن شهادة فوزي طلاعة، بعد أن قُدمت علناً ووُثقت تلفزيونياً، ينبغي أن تكون بداية لعمل أوسع في التوثيق والتحقيق والضغط المدني، لا مجرد شهادة تنتهي بانتهاء البث.

مشاركة رئيس الكنفدرالية النقابية للقوى المنتجة في حصة «حقوق وحريات» على قناة شمال إفريقيا، إلى جانب الناشط السياسي إسحاق مناد والناشط الحقوقي فوزي طلاعة. وتناول الضيوف خلال الحصة قضايا البطالة والهجرة غير الشرعية (الحرقة) ومستقبل الشباب الجزائري، حيث قدّم الناشط الحقوقي فوزي طلاعة شهادة صادمة عن تواطؤ عناصر من حرس السواحل الجزائري في تسهيل خروج قاربهم. المصدر: قناة شمال إفريقيا

📬 هل أعجبك هذا المقال؟ اشترك في نشرتنا البريدية لتصلك آخر الأخبار والبيانات الهامة مباشرة إلى بريدك.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *