🗓️ نُشر بتاريخ: 26/02/2026
تزايد وصول القوارب التي تقل مهاجرين جزائريين إلى السواحل الإسبانية خلال الأسابيع الأخيرة خصوصا في غرة شهر رمضان المبارك ليس مجرد تطور ظرفي، بل يعكس تراكماً لأزمات بنيوية داخلية، ولكن القراءة الاقتصادية وحدها لا تكفي، فثمة بعد نقابي وحقوقي واجتماعي مباشر يفسّر جزءاً أساسياً من هذا النزيف البشري.
قمع العمل النقابي كعامل دافع للهجرة
خلال السنوات الأخيرة، تعرضت النقابات المستقلة المناضلة لضغوط ممنهجة، خاصة تلك المنخرطة في الكنفدرالية النقابية للقوى المنتجة (COSYFOP)، وعلى رأسها: SNAPAP و SNATEG .
تقييد النشاط النقابي، حلّ الهياكل، الملاحقات القضائية، والضغوط الإدارية على المناضلين النقابيين، كلها عوامل ساهمت في إضعاف آليات الدفاع الجماعي عن العمال والنتيجة المباشرة هي تراجع القدرة على التفاوض حول شروط العمل، وضعف الرقابة على معايير السلامة المهنية مع هشاشة متزايدة في بيئات العمل، خاصة في القطاعات الصناعية والطاقة والأشغال العمومية.
مؤشرات خطيرة
وفق المعطيات التي وثقتها الكنفدرالية خلال الشهر الأول من سنة 2026 فهناك 23 حالة وفاة نتيجة حوادث عمل خلال الشهر الأول من سنة 2026 فقط معظمها في ورشات البناء و29 حالة انتحار لمواطنين بعضها بطريقة مرعبة تم رصدها عبر وسائط التواصل الاجتماعي خلال نفس الفترة.
هذه الأرقام، وإن كانت جزئية، تعكس مستوى ضغط اجتماعي ونفسي خطير داخل الأوساط العمالية والمجتمع بشكل عام، والأخطر من ذلك هو عدم وجود هيئة مستقلة وشفافة تنشر أرقاماً رسمية دقيقة ومفصلة حول وفيات العمل أو الانتحار في الوسط المهني، ما يعني أن الأرقام الفعلية قد تكون أعلى بكثير.
غياب الشفافية الإحصائية ليس تفصيلاً تقنياً؛ بل هو عنصر يساهم في إخفاء عمق الأزمة ويمنع بناء سياسات وقائية فعالة للوضع الذي يتدحرج بسرعة نحو تدهور لم تعشه الجزائر منذ الحرب الأهلية.
من هشاشة العمل إلى قرار الهروب نحو أوروبا
عندما يُحرم العامل من حماية نقابية مستقلة عن السلطات الأمنية، وآليات تظلم فعالة، وبيئة عمل آمنة، وأفق اقتصادي مستقر، فإن الهجرة تتحول من خيار اقتصادي إلى مخرج نفسي واجتماعي.
حسب سبر آراء قامت به الكنفدرالية النقابية للقوى المنتجة في أوساط شباب جزائري مهاجر في فرنسا وسويسرا وإسبانيا جزء مهم من المغادرين لا يهرب فقط من البطالة، بل من بيئات عمل خطيرة أو ضغط قضائي أو إداري، وإحساس بالعجز الجماعي نتيجة تفكيك أدوات التنظيم والدفاع.
الصدمة النفسية بعد الوصول إلى أوروبا
المفارقة أن كثيراً من الشباب يصلون إلى أوروبا وهم يحملون أوضاعاً نفسية معقدة أصلاً بسبب احتقان مجتمعي مسبق، صدمات اجتماعية، ضغط اقتصادي، أو ملاحقات قضائية سابقة ويحلمون بالراحة والعمل القار والمستقر ولكنهم يصطدمون بواقع جديد في أوروبا مع صعوبة تسوية الوضعية القانونية، وبطء إجراءات اللجوء مع القيود الإدارية المكثفة فيعيشون في هشاشة اجتماعية.
وفي غياب إدماج سريع ودعم نفسي واجتماعي، ينزلق بعضهم إلى اقتصاد الظل أو الأعمال الإجرامية كالسرقات الصغيرة، والاعتداءات، والعنف الهامشي.
هذه الظواهر، رغم محدوديتها نسبياً، تُستثمر سياسياً داخل أوروبا وتُغذي صعود التيارات اليمينية المتطرفة، التي تدفع نحو تشديد السياسات الحدودية ومهاجمة المهاجرين في كل مكان.
والنتيجة المؤسفة للغاية شباب يستحقون الحماية أو التسوية القانونية يصبحون ضحايا تشدد عام لا يميز بين الحالات.
توظيف الجزائر لملف الهجرة في العلاقات مع أوروبا
تستخدم الجزائر ملف الهجرة كأداة “سيادة إجرائية” للضغط على الشركاء الأوروبيين، حيث تُحوّل الإجراءات القانونية، مثل اشتراط استنفاد الطعون، من حق للمهاجر إلى وسيلة لضبط إيقاع التعاون القنصلي وتوظيفه لخدمة أجندات سياسية ودبلوماسية متبادلة وأبرز مثال على ذلك ما حدث مع فرنسا في القضية المعروفة بقضية بوعلام.
تعتمد استراتيجية الحكومة الجزائرية على معادلة “التعاون مقابل التفاهم”؛ فتبادُل استعادة المهاجرين يرتبط طردياً بمدى توافق المواقف الأوروبية مع المصالح الجزائرية في ملفات حساسة كقضايا الذاكرة والنزاعات الإقليمية، مما يجعل المهاجر الجزائري فاعلاً صامتاً في التفاوض الدولي.
يستثمر هذا النهج في “الهوس الأمني” الأوروبي تجاه تدفقات الهجرة، مما يمنح الجزائر ورقة مساومة قوية لانتزاع تنازلات في مجالات الطاقة والتأشيرات، محولةً الملف من قضية إدارية بحتة إلى صراع إرادات يهدف لفرض الندّية في التعامل مع العواصم الكبرى.
يؤدي هذا التسييس للملف الإنساني إلى تحويل الحقوق القانونية لذرائع ضمن “الواقعية السياسية”، وهو ما قد يرتد سلباً عبر إجراءات أوروبية مضادة (كتقليص التأشيرات)، لتظل الهجرة ساحة بديلة للصراع الدبلوماسي بعيداً عن جوهرها الحقوقي.

غياب الشفافية في الجزائر وتضخم الأزمة
يُعد حجب البيانات الرسمية حول وفيات العمل والانتحار في الجزائر استراتيجية “احتواء إحصائي” تهدف لتجنب الاعتراف بحجم التآكل في شروط السلامة، مما يحول الأزمة من مشكلة تقنية يمكن علاجها إلى ثقب أسود يبتلع الحقوق العمالية بعيداً عن الرقابة.
غياب الشفافية يؤدي بالضرورة إلى “تضخم صامت” للأزمة؛ فعدم نشر أرقام دورية لا يلغي الواقع، بل يغذي بيئة من الإهمال المؤسساتي حيث تفتقر الأطراف النقابية والحقوقية للمؤشرات العلمية اللازمة لفرض إصلاحات حقيقية في بيئة العمل.
كما يُشكل غياب آليات المراقبة المستقلة معضلة هيكلية، إذ تظل تقارير السلامة حبيسة الأدراج الرسمية، مما يمنع المجتمع المدني من تقييم المخاطر المهنية وترك الحبل على الغارب للمؤسسات للتهرب من مسؤولياتها القانونية والأخلاقية تجاه العمال.
إن سياسة “تغييب الأرقام” هي مؤشر على أزمة حوكمة، حيث يُنظر للمعلومة كخطر سياسي بدلاً من كونها أداة تخطيط، مما يجعل الفارق بين الواقع المعلن والحقيقة الميدانية فجوة تزداد اتساعاً مع كل إصابة أو حالة انتحار غير موثقة.
مسؤولية مزدوجة
في لقاءاته مع مسؤولين ونقابيين وممثلي منظمات حقوقية في أوروبا، أكد رئيس الكنفدرالية رؤوف ملال أن الظاهرة لا يمكن اختزالها في بعدها الأمني، فالمطلوب أولا من الأوروبيين المساعدة على إعادة الاعتبار للعمل النقابي المستقل كآلية وقائية، ودفع الحكومة الجزائرية نحو فتح المجال أمام الشفافية الإحصائية في قضايا العمل والسلامة الذي سيؤدي حتما لمعالجة الأسباب البنيوية للهجرة بدل إدارة نتائجها.
كما أكد رئيس الكنفدرالية أنه يستوجب انخراط الجالية الجزائرية في أوروبا، خاصة الجمعيات الحقوقية والمحلية، في نقاش جاد حول الأسباب الداخلية للهجرة وآثارها الاجتماعية وخصوصا مخاطر توظيفها سياسيا من طرف الحكومة الجزائرية.
وفي هذا السياق صرح رئيس الكنفدرالية رؤوف ملال
الهجرة ليست فقط حركة عبر البحر، بل نتيجة مباشرة لاختلالات عميقة في سوق العمل، والحريات النقابية، والحماية الاجتماعية، ومعالجة الظاهرة تبدأ من الداخل، عبر إصلاحات حقيقية تعيد للعمال كرامتهم وأمنهم المهني، وتعيد للمجتمع ثقته في قدرته على التغيير دون الهروب.
📬 هل أعجبك هذا المقال؟ اشترك في نشرتنا البريدية لتصلك آخر الأخبار والبيانات الهامة مباشرة إلى بريدك.