أرقام الجريدة الرسمية تكشف الحجم الحقيقي للمشكلة

في الوقت الذي تتحدث فيه الخطابات الرسمية عن التعافي الاقتصادي وتحسن المؤشرات المالية، تكشف الوثائق الرسمية المنشورة في الجريدة الرسمية للجمهورية الجزائرية (العدد 39) واقعاً مختلفاً يستحق التوقف عنده. فالقراءة المتأنية للوضعية الشهرية لبنك الجزائر تبرز رقماً استثنائياً يتعلق بحجم الديون الحكومية المسجلة ضمن أصول البنك المركزي.

ففي بند يحمل تسمية «السندات الصادرة أو المضمونة من طرف الدولة»، يظهر مبلغ يناهز 8.16 تريليون دينار جزائري، أي ما يعادل حوالي 61.1 مليار دولار أمريكي وفق سعر الصرف الرسمي. ويمثل هذا المبلغ ما يقارب 38 بالمائة من إجمالي أصول بنك الجزائر.

وهنا لا يتعلق الأمر باحتياطيات نقدية أو استثمارات استراتيجية، بل بديون ومستحقات مترتبة على الخزينة العمومية تجاه البنك المركزي، تراكمت خلال سنوات من اللجوء إلى آليات التمويل الاستثنائية وسندات الخزينة لتغطية احتياجات الميزانية العامة.

ماذا تعني هذه الأرقام اقتصادياً؟

لا تكمن أهمية هذا الرقم في حجمه فقط، بل في طبيعته أيضاً. فالأمر لا يتعلق باستثمارات منتجة أو أصول مدرة للعائد، وإنما بمستحقات ضخمة على الخزينة العمومية. بمعنى آخر، فإن جزءاً كبيراً من أصول بنك الجزائر يعتمد على قدرة الدولة نفسها على السداد مستقبلاً.

وهنا تظهر أولى الإشكاليات الجوهرية: فكلما ارتفعت حصة الديون الحكومية داخل ميزانية البنك المركزي، تراجعت جودة أصوله المالية وازدادت درجة الترابط بين الوضع المالي للدولة والوضع النقدي للبلاد. فإذا واجهت الخزينة صعوبات مالية مستقبلاً، فإن ذلك سينعكس مباشرة على متانة البنك المركزي نفسه.

خلال السنوات الماضية، لجأت السلطات إلى التمويل غير التقليدي لمواجهة العجز المالي الناجم عن تراجع أسعار النفط وارتفاع النفقات العمومية. وقد سمح هذا الخيار بتجنب اللجوء إلى الاقتراض الخارجي والحفاظ مؤقتاً على مستويات الإنفاق الحكومي، لكنه لم يعالج الأسباب الهيكلية للعجز، والمتمثلة أساساً في ضعف التنويع الاقتصادي واستمرار الاعتماد المفرط على المحروقات كمصدر رئيسي للإيرادات.

اقتصادياً، يمكن تشبيه هذه السياسة بقيام شخص بتسديد ديونه عبر الاستدانة من حسابه الخاص. فالمشكلة لا تختفي، وإنما تنتقل من مكان إلى آخر داخل المنظومة نفسها. ولذلك فإن تراكم سندات الخزينة داخل ميزانية البنك المركزي لا يمثل خلقاً لثروة جديدة، بل تأجيلاً لتسوية الاختلالات المالية الأساسية.

الأخطر من ذلك أن هذه الوضعية تضع السياسة النقدية تحت ضغط دائم. فالبنك المركزي الذي يحتفظ بنسبة كبيرة من أصوله على شكل ديون حكومية يصبح أقل قدرة على أداء دوره التقليدي المتمثل في مكافحة التضخم وحماية استقرار الأسعار. وعندما تتعارض متطلبات استقرار العملة مع حاجيات تمويل الخزينة، غالباً ما تكون الأولوية لإنقاذ المالية العمومية، حتى وإن كان الثمن ارتفاع التضخم أو تراجع قيمة الدينار.

كما أن وجود ما يقارب 40% من أصول البنك المركزي في شكل ديون على الدولة يكشف هشاشة التوازنات المالية الحالية. ففي الاقتصادات المنتجة، تستند قوة البنك المركزي عادة إلى احتياطيات قوية من العملات الأجنبية، والذهب، والأصول المالية ذات المخاطر المنخفضة. أما عندما تصبح الديون الحكومية أحد المكونات الرئيسية لأصوله، فإن ذلك يعكس اعتماداً متزايداً على التمويل الإداري بدلاً من الاعتماد على النمو الاقتصادي الحقيقي.

ومن زاوية أخرى، فإن هذه الأرقام تطرح سؤالاً أساسياً حول الاستدامة المالية. فإذا استمرت الدولة في تمويل عجزها عبر إصدار المزيد من السندات الموجهة للبنك المركزي، فإن حجم هذه الديون سيواصل الارتفاع بوتيرة أسرع من نمو الاقتصاد الحقيقي. وعندها يصبح الحفاظ على استقرار الأسعار والقوة الشرائية أكثر صعوبة، خاصة في اقتصاد يعتمد بشكل كبير على الواردات لتلبية حاجياته الاستهلاكية والإنتاجية.

لذلك فإن القضية لا تتعلق فقط بديون قيمتها 61 مليار دولار، بل بما تعكسه من نموذج اقتصادي قائم على تمويل الإنفاق العمومي عبر أدوات نقدية ومالية استثنائية، في حين يبقى التحدي الحقيقي متمثلاً في خلق مصادر مستدامة للثروة خارج قطاع المحروقات، قادرة على تمويل التنمية دون تحميل البنك المركزي أعباءً متزايدة عاماً بعد عام.

التداعيات المحتملة على الاقتصاد والعامل

لا تبقى هذه الأرقام حبيسة التقارير المالية، بل تنعكس بصورة مباشرة على الحياة اليومية للمواطنين. فكلما ارتفع الاعتماد على التمويل النقدي والديون الداخلية، زادت الضغوط على قيمة الدينار وارتفعت مخاطر التضخم، وهو ما ينعكس على القدرة الشرائية ومستوى المعيشة.

كما أن استمرار تراكم سندات الخزينة داخل ميزانية البنك المركزي يحدّ من هامش المناورة المتاح للسياسة النقدية، ويجعل المؤسسة النقدية أكثر ارتباطاً باحتياجات التمويل الحكومي بدلاً من تركيزها الأساسي على استقرار الأسعار والحفاظ على قيمة العملة.

إن المعطيات المنشورة في الجريدة الرسمية لا تعكس مجرد أرقام محاسبية، بل تكشف تحدياً هيكلياً يواجه الاقتصاد الجزائري. فالسؤال المطروح اليوم ليس حجم الديون فقط، بل قدرة النموذج الاقتصادي الحالي على إنتاج الثروة الكافية لسداد هذه الالتزامات مستقبلاً دون اللجوء مجدداً إلى حلول مؤقتة تؤجل الأزمة ولا تعالج أسبابها العميقة.

ويبقى الرهان الحقيقي في الانتقال من اقتصاد يعتمد على التمويل الإداري والموارد الريعية إلى اقتصاد منتج ومتنوّع قادر على خلق القيمة المضافة وضمان استدامة التوازنات المالية للأجيال القادمة.

بقلم: حمزة خروبي

حمزة خروبي نقابي وسياسي جزائري، رئيس النقابة الوطنية لقطاع الصناعات (SNSI)، وعضو قيادي في الكنفدرالية النقابية للقوى المنتجة (COSYFOP). يُعد من أبرز الأصوات المدافعة عن الحريات النقابية والتعددية النقابية في الجزائر، وشارك في تمثيل النقابيين الجزائريين أمام الهيئات الدولية، بما في ذلك منظمة العمل الدولية. يكتب بانتظام في القضايا الاقتصادية والاجتماعية المرتبطة بالتنمية والعدالة الاجتماعية وحقوق العمال.

📬 هل أعجبك هذا المقال؟ اشترك في نشرتنا البريدية لتصلك آخر الأخبار والبيانات الهامة مباشرة إلى بريدك.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *