شهد ملف الحريات النقابية وحرية التعبير في الجزائر تطورًا مهمًا على المستوى الدولي، بعد أن وجّهت لجنة الخبراء المعنية بتطبيق الاتفاقيات والتوصيات التابعة لمنظمة العمل الدولية طلبًا رسميًا إلى الحكومة الجزائرية بشأن تطبيق المادة 87 مكرر من قانون العقوبات.

ويأتي هذا الطلب في إطار مراقبة تنفيذ اتفاقية منظمة العمل الدولية رقم 105 بشأن إلغاء العمل الجبري، التي صادقت عليها الجزائر سنة 1969.

ويمثل هذا الإجراء خطوة مهمة، لأنه يعني عمليًا أن منظمة العمل الدولية فتحت تحقيقًا رقابيًا دوليًا حول مدى استخدام بعض النصوص القانونية لمعاقبة التعبير عن الآراء السياسية أو النشاطات السلمية.

نتيجة ثلاث سنوات من العمل والمتابعة

هذا التطور لم يأت من فراغ، بل جاء نتيجة عمل متواصل قامت به الكنفدرالية النقابية للقوى المنتجة (COSYFOP) خلال السنوات الثلاث الماضية.

فقد قامت الكنفدرالية بإرسال سلسلة من الملاحظات القانونية والتقارير إلى منظمة العمل الدولية في إطار المادة 22 من دستور المنظمة، وهي الآلية التي تسمح للمنظمات النقابية بإبلاغ الهيئات الدولية بأي انتهاكات محتملة للاتفاقيات الدولية التي صادقت عليها الدول.

وقد ركزت هذه الملاحظات على خطورة الصياغة الواسعة للمادة 87 مكرر من قانون العقوبات، التي تعرف الأفعال الإرهابية أو التخريبية بطريقة قد تسمح بتجريم أنشطة سلمية مثل الاحتجاجات أو التعبير السياسي.

كما دعمت الكنفدرالية للمنظمة شكاويها ضد الحكومة الجزائرية أمام لجان المراقبة التابعة لمنظمة العمل الدولية بوثائق وتقارير دولية داعمة، من بينها تقرير المقرر الخاص للأمم المتحدة المعني بحرية التجمع السلمي وتكوين الجمعيات لسنة 2024، الذي أشار إلى أن تعريف الإرهاب في المادة 87 مكرر واسع وغامض وقد استُخدم في بعض الحالات لمتابعة أشخاص مارسوا حقهم في التجمع السلمي.

ماذا طلبت لجنة الخبراء من الحكومة الجزائرية؟

في طلبها المباشر، لم تكتف لجنة الخبراء بملاحظة الإشكال القانوني، بل طلبت من الحكومة الجزائرية تقديم معلومات دقيقة ومفصلة حول كيفية تطبيق هذه النصوص في الواقع.

وقد طلبت اللجنة تحديدًا : عدد القضايا والمتابعات القضائية التي تم فتحها بموجب المادة 87 مكرر من قانون العقوبات، والأحكام التي أصدرتها المحاكم في هذه القضايا، ونوع العقوبات التي تم فرضها على الأشخاص المعنيين، الوقائع والأفعال التي أدت إلى هذه المتابعات القضائية.

ويهدف هذا الطلب إلى تمكين اللجنة من تقييم ما إذا كانت هذه النصوص تُستخدم لمعاقبة التعبير السلمي عن الآراء السياسية أو المعارضة الفكرية إصدار قرارات وتقارير داخلية بخصوص هاذا الموضوع.

تساؤلات حول تجريم التعبير السلمي

أشارت لجنة الخبراء في ملاحظاتها إلى أن بعض التشريعات المتعلقة بمكافحة الإرهاب، عندما تكون غامضة أو واسعة الصياغة، قد تُستخدم لتقييد الحريات الأساسية مثل: حرية التعبير، حرية التجمع السلمي، حرية التنظيم.

وأكدت اللجنة أن اتفاقية منظمة العمل الدولية رقم 105 تحظر استخدام السجن المصحوب بالعمل الإجباري كعقوبة بسبب التعبير عن آراء سياسية أو معارضة النظام القائم.

أهمية هذا التطور

يمثل هذا التطور خطوة مهمة لعدة أسباب:

أولًا، لأن قضية المادة 87 مكرر أصبحت الآن موضوع متابعة رسمية داخل نظام الرقابة الدولي لمنظمة العمل الدولية.

ثانيًا، لأن الحكومة الجزائرية أصبحت مطالبة بتقديم توضيحات وإحصائيات دقيقة حول تطبيق هذه المادة.

ثالثًا، لأن النقاش حول هذه النصوص انتقل من المجال السياسي والإعلامي إلى مستوى قانوني دولي يخضع لتقييم خبراء مستقلين.

دور الكنفدرالية النقابية للقوى المنتجة

إن إدراج هذه المسألة ضمن آليات الرقابة الدولية يعكس أيضًا الدور الذي تلعبه الكنفدرالية النقابية للقوى المنتجة في توثيق الانتهاكات التي تمس الحريات النقابية، ونقل هذه القضايا إلى الهيئات الدولية المختصة، الدفاع عن احترام الاتفاقيات الدولية التي صادقت عليها الجزائر.

هاذا وتظهر مساهمات الكنفدرالية بشكل رسمي في قاعدة بيانات NORMLEX التابعة لمنظمة العمل الدولية، التي تسجل الملاحظات المقدمة من المنظمات النقابية حول تطبيق الاتفاقيات الدولية.

يؤكد هذا التطور أن العمل النقابي المنظم والمبني على التوثيق القانوني يمكن أن يؤدي إلى إثارة قضايا جوهرية أمام الهيئات الدولية المختصة.

هاذا وقد أكد رئيس الكنفدرالية النقابية للقوى المنتجة

سنواصل متابعة هذا الملف أمام لجان المراقبة التابعة للمكتب الدولي للعمل، وسنعمل بجد من أجل تعزيز احترام الحريات النقابية وحقوق الإنسان في الجزائر، بما يتماشى مع التزامات الدولة بموجب الاتفاقيات الدولية.

فيديو توضيحي

القانون 24-06 والمادة 87 مكرر: قراءة مبسطة في الخلفية القانونية والجدل القائم

يعرض هذا الفيديو شرحًا مبسطًا للسياق القانوني المرتبط بالقانون 24-06 وبالمادة 87 مكرر من قانون العقوبات الجزائري، مع إبراز الإشكالات المثارة بشأن اتساع الصياغة وإمكانية استخدامها ضد حرية التعبير والنشاط السلمي.

!
تنويه هام: يندرج هذا الفيديو ضمن الجهد التوعوي الرامي إلى شرح أثر النصوص القانونية ذات الصلة بالحريات العامة، وخاصة عندما يتعلق الأمر بمخاطر التوسع في التجريم أو استعمال نصوص فضفاضة ضد الممارسة السلمية للحقوق.

📬 هل أعجبك هذا المقال؟ اشترك في نشرتنا البريدية لتصلك آخر الأخبار والبيانات الهامة مباشرة إلى بريدك.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Arabic