في تطور لافت خلال اجتماع الاتحاد العربي للنقابات يوم 6 افريل 2026، ودون أي مشاركة من النقابات المستقلة الجزائرية، تم إدراج الجزائر ضمن “القائمة الطويلة” للدول الأكثر انتهاكًا للاتفاقيات الدولية المتعلقة بالحريات النقابية، في خطوة تعكس تزايد القلق الإقليمي والدولي بشأن تدهور أوضاع العمل النقابي في هذه البلدان.

تقرير دولي يعكس واقعًا ميدانيًا متأزمًا

يستند هذا التصنيف لمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا بشكل مباشر إلى الملاحظات الأخيرة القوية للجنة الخبراء التابعة لـ منظمة العمل الدولية، والتي رصدت في تقريرها لسنة 2025 انتهاكات جسيمة للاتفاقية رقم 98 الخاصة بالحق في التنظيم والمفاوضة الجماعية، كما قدمت طلبًا مباشرًا للحكومة الجزائرية بخصوص تطبيق المادة 87 مكرر من قانون العقوبات، التي تُستغل لسجن المدافعين عن حقوق الإنسان بتهم تتعلق بالإرهاب.

ولم يأتِ تقرير لجنة الخبراء من فراغ، بل يعكس تراكمًا موثقًا لشكاوى وتقارير ميدانية قدمتها النقابات المستقلة في الجزائر، وعلى رأسها تلك المنضوية تحت لواء الكونفدرالية النقابية للقوى المنتجة (COSYFOP)، والتي لعبت دورًا محوريًا في نقل الانتهاكات من المستوى المحلي إلى آليات الرقابة الدولية.

وقد ركز التقرير على تصاعد التمييز النقابي ضد القيادات المستقلة، وضعف أو غياب آليات الحماية القانونية الفعلية، مع الإشارة لتدخل السلطات في شؤون التنظيم النقابي، وتقييد المفاوضة الجماعية عبر معايير قانونية فضفاضة.

بين القائمة الطويلة والقائمة القصيرة: معركة لم تُحسم بعد

ورغم إدراج الجزائر ضمن القائمة الطويلة، إلا أن القائمة النهائية (القائمة القصيرة)، التي ستحدد الدول المعروضة هذا العام أمام لجنة المعايير خلال مؤتمر العمل الدولي الذي سيعقد شهر جوان المقبل، لم تُحسم بعد.

في هذا السياق، تشير المعطيات إلى أن الكونفدرالية النقابية للقوى المنتجة لا تسعى، في المرحلة الحالية، إلى الدفع نحو إدراج الجزائر في القائمة القصيرة لهذه السنة، وذلك في ظل خلافات قائمة بين النقابات المستقلة الجزائرية والاتحاد الدولي للنقابات.

هذا الموقف يعكس قراءة استراتيجية للمرحلة، وليس تراجعًا عن المطالب النقابية أمام منظمة العمل الدولية، حيث يتم التركيز على إعادة ترتيب التحالفات الدولية بدل الدخول في معركة قد تكون نتائجها غير مضمونة أو حتى عكسية.

تجربة 2024: حين أُفرغت آليات لجنة المعايير من مضمونها

يجد هذا التحفظ مبرره في تجربة وقرارات لجنة تطبيق المعايير سنة 2024، حيث تم، بحسب مصادر من الكونفدرالية النقابية للقوى المنتجة، إجهاض عمل النقابات المستقلة، في ظل غياب التنسيق والتعاون بين ممثلي العمال لدى منظمة العمل الدولية ومكتب أنشطة العمال مع النقابات المستقلة الجزائرية، ما أدى إلى إضعاف حضور النقابات المستقلة وأثر الآليات الدولية، خصوصًا لجنة تطبيق المعايير.

وقد منحت هذه الوضعية الحكومة الجزائرية هامشًا واسعًا للمناورة، بل وشجعتها على تصعيد القمع بشكل غير مسبوق ومجنون ضد النقابات المستقلة خلال السنتين الماضيتين، في ظل شعور ضمني بغياب ضغط نقابي دولي فعلي.

إعادة توجيه الاستراتيجية نحو تحالفات دولية أكثر توازنًا وفعالية

في ظل التعقيدات التي باتت تطبع المشهد النقابي الدولي، تعمل النقابات المستقلة الجزائرية على إعادة توجيه استراتيجيتها الخارجية بشكل واقعي ومدروس، بما يضمن تعزيز موقعها دون الارتهان للتجاذبات القائمة.

وفي هذا الإطار، يجري تعزيز التعاون مع الاتحادات القطاعية الدولية، وفي مقدمتها الاتحاد الدولي للخدمات العامة والاتحاد الدولي لعمال الأغذية والزراعة والفنادق والمطاعم، باعتبارهما شريكين أساسيين يقدمان دعمًا ملموسًا ومستمرًا للنقابات المستقلة في الجزائر.

كما تتجه هذه النقابات إلى توسيع شبكة علاقاتها مع فدراليات نقابية دولية أخرى مهتمة بتطورات الوضع في الجزائر، في مسعى لكسر حالة العزلة وتعزيز التوازن داخل فضاء نقابي دولي يتسم بتعدد المصالح والتوجهات.

بالتوازي، يتم العمل على تطوير شراكات نوعية مع منظمات حقوقية دولية، وعلى رأسها منظمة العفو الدولية، إلى جانب منظمات حقوقية دولية أخرى، بما يسمح بتعزيز مصداقية الملف النقابي الجزائري على المستوى الدولي، ودعمه بآليات توثيق ومرافعة أكثر تأثيرًا.

تدويل ملف الحريات النقابية: من العمل النقابي إلى الدفاع عن حقوق الإنسان

في سياق تطور نضالها، تؤكد النقابات المستقلة الجزائرية أنها، وإن كانت تنتمي إلى الحقل النقابي، إلا أنها لا تتحرك ضمن الإطار التقليدي المحصور في المطالب الاجتماعية والمهنية، بل تضع في صلب عملها الدفاع عن حقوق الإنسان، وعلى رأسها الحق في التنظيم الحر دون تدخل من الإدارة أو السلطات العمومية.

هذا التموقع يجعل من نضالها مختلفًا في طبيعته وأكثر عرضة للاستهداف، باعتباره يتقاطع مع قضايا الحريات الأساسية، وليس فقط مع قضايا الشغل بالمعنى الضيق، وهو ما يفسر حجم الضغوط والمتابعات التي تطال قياداتها ومناضليها.

وفي هذا السياق، وجدت هذه النقابات تفهمًا متزايدًا من قبل المنظمات الحقوقية الدولية والمقريين الأمميين، التي بدأت تستوعب بشكل أعمق خطورة الوضع في الجزائر، وهو ما انعكس في تحركات أكثر وضوحًا لدعمها.

وانطلاقًا من ذلك، تعمل النقابات المستقلة على تعزيز هذا المسار، من خلال توطيد علاقاتها مع منظمة العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش، إلى جانب تكثيف التفاعل مع المقررين الخاصين للأمم المتحدة، وتعزيز التواصل مع مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان.

معركة طويلة تتجاوز تصنيفات الاتحاد العربي للنقابات

إن إدراج الجزائر ضمن القائمة الطويلة لا يمثل نهاية المسار، بل يشكل بداية مرحلة جديدة من النضال النقابي على المستوى الدولي.

فبين واقع داخلي يتسم بتضييق متصاعد على الحريات النقابية، وساحة دولية تحكمها توازنات معقدة، تجد النقابات المستقلة نفسها أمام تحدٍ مزدوج يتمثل في مواصلة النضال الميداني، وبناء تحالفات دولية قادرة على تحويل التقارير والتوصيات إلى أدوات ضغط فعلية.

في هذا السياق، يظل السؤال مطروحًا: هل ستنجح هذه الاستراتيجية في إعادة وضع ملف الحريات النقابية في الجزائر ضمن أولويات الأجندة الدولية، أم أن التوازنات داخل الحركة النقابية العالمية ستواصل إفراغ آليات المحاسبة من مضمونها؟

وفي هذا الصدد، صرّح رئيس الكونفدرالية النقابية للقوى المنتجة:

“ السنة القادمة ستكون حاسمة، نعمل على توسيع شراكاتنا مع مختلف الفدراليات النقابية الدولية، بالتوازي مع تعزيز تعاوننا مع المنظمات الحقوقية، من أجل دفع ملف الحريات النقابية في الجزائر إلى موقع أكثر حضورًا على الأجندة الدولية وتحقيق تقدم ملموس. ”

📬 هل أعجبك هذا المقال؟ اشترك في نشرتنا البريدية لتصلك آخر الأخبار والبيانات الهامة مباشرة إلى بريدك.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Arabic