أصدر الاتحاد الدولي للنقابات تقريره السنوي لسنة 2026 حول مؤشر الحقوق النقابية في العالم، وهو من أهم التقارير الدولية التي ترصد أوضاع العمال والنقابيين ودرجة احترام الحريات النقابية في مختلف الدول. أما بالنسبة للجزائر، فقد حمل التقرير إشارة مهمة إلى قضية القيادي النقابي المسجون بتهم تتعلق بالإرهاب علي معمري، الذي قُدّم كأحد الأمثلة على الانتهاكات التي تطال النقابيين بسبب نشاطهم النقابي.

هذه الإشارة ولو أنها لم تتحدث عن استغلال قوانين مكافحة الإرهاب ضد النقابيين والمدافعين عن حقوق الإنسان إلا أنها تمثل تقدماً واضحاً مقارنة بتقرير الإتحاد العربي للنقابات التابع لنفس المنظمة والذي تجاهل كلياً واقع القمع النقابي في الجزائر، كما أنها تؤكد أن قضية علي معمري أصبحت جزءاً من السجل الدولي للانتهاكات ضد النقابيين. فالرجل لم يُذكر بوصفه حالة قضائية معزولة، بل كرمز لمسار أوسع من التضييق والتجريم الذي يطال العمل النقابي المستقل.

علي معمري: حين تصبح المعلومة المستقلة مرجعاً دولياً

إدراج قضية علي معمري في تقرير الاتحاد الدولي للنقابات يكشف، قبل كل شيء، أهمية العمل الذي قامت به النقابات المستقلة والمنظمات الحقوقية في توثيق الانتهاكات في الجزائر وإيصالها إلى الهيئات الدولية. فالقضية لم تصل إلى هذا المستوى من الاعتراف عبر القنوات الرسمية، بل بفضل جهود مستمرة قامت بها الكنفدرالية النقابية للقوى المنتجة، التي اشتغلت على جمع المعلومات، توثيق الوقائع، ومراسلة الآليات الدولية المختصة.

وهنا تبرز مفارقة أساسية في المشهد النقابي الجزائري. فالنقابات المستقلة، رغم الحصار الإداري والسياسي والإعلامي المفروض عليها، أصبحت في العديد من الملفات المصدر الأكثر جدية وموثوقية للمعلومات المتعلقة بالانتهاكات النقابية. وما ورد في تقرير الاتحاد الدولي للنقابات بشأن علي معمري يؤكد أن هذه المعلومات، عندما تكون موثقة ومنظمة، تستطيع أن تصل إلى المستوى الدولي وأن تفرض نفسها داخل التقارير المرجعية.

غير أن أهمية هذه الإشارة لا تلغي الحاجة إلى نظرة أوسع. فحالة علي معمري ليست سوى جزء بسيط من واقع أكثر تعقيداً، تتداخل فيه الاعتقالات، والمتابعات القضائية، والتهديدات بحل النقابات، والتضييق على الحق في الإضراب والتنظيم.

الغائب الأكبر من التقرير: قيادات إتحاد السلطة نقابة السكك الحديدية وحق الإضراب

رغم أهمية ما ورد في التقرير، يبقى غياب قضية قيادات نقابية من الاتحاد العام للعمال الجزائريين في قطاع السكك الحديدية أمراً مثيراً للاستغراب. فقد تم الزج بعدد من هؤلاء النقابيين في السجن على خلفية ممارسة الحق في الإضراب، ووصلت بعض الأحكام إلى خمس سنوات سجناً نافذاً.

فخلفيات هذه القضية، من حيث طبيعتها، من المفروض أنها تقع في قلب أولويات الاتحاد الدولي للنقابات، فحسب الإصدارات والبيانات لذات الإتحاد يظهر بأن الحق في الإضراب هو أحد الأعمدة الأساسية لنضالات وأحد أبرز الملفات التي خاض حولها الاتحاد الدولي للنقابات معارك طويلة داخل منظمة العمل الدولية مؤخرا أمام محكمة العدل الدولية.

واللافت أكثر أن الضحايا هنا لا ينتمون إلى نقابة مستقلة غير منتمية للاتحاد الدولي للنقابات كما هو الحال لعلي معمري، بل إلى الاتحاد العام للعمال الجزائريين التابع للسلطة الجزائرية والذي يشغل منصب نائب الرئيس داخل الإتحاد الدولي للنقابات. وهذا ما يمنح القضية بعداً إضافياً، لأنها تكشف أن التضييق على الحقوق النقابية في الجزائر لم يعد يستهدف فقط النقابات المستقلة، بل أصبح يطال حتى نقابيين ينشطون داخل المنظمة النقابية الرسمية نفسها عندما يتعلق الأمر بممارسة الإضراب أو الدفاع عن العمال.

صمت الاتحاد العام للعمال الجزائريين وسؤال احتكار التمثيل

غياب قضية نقابيي السكك الحديدية عن تقرير الاتحاد الدولي للنقابات قد لا يكون مرتبطاً بالضرورة بإرادة تجاهلها هذا الملف، بل ربما يعكس مشكلة أعمق تتعلق بتدفق المعلومات. فالمنظمات النقابية الدولية تعتمد غالباً على ما يصلها من منظماتها الأعضاء أو من القنوات النقابية الرسمية. وإذا كانت القيادة الوطنية للاتحاد العام للعمال الجزائريين لم تبلغ عن هذه القضية، أو اختارت عدم إعطائها بعداً دولياً، فمن الطبيعي أن تبقى خارج دائرة الضوء وهنا تكمن الإشكالية الحقيقية.

فقد توجه مجموعة من العمال والنقابيين التابعين لقطاع السكك الحديدية بشكل رسمي إلى الكنفدرالية النقابية للقوى المنتجة طالبين الدفاع عنهم وعن المسجونين وإيصال قضيتهم للعالم مثلما كان الحال في قضية علي معمري.

غير أن الكنفدرالية لا تستطيع، من الناحية التنظيمية، أن تتبنى الملف أمام المؤسسات الدولية كما لو أن المعنيين أعضاء في هياكلها، لأنهم كانوا ومازالوا يعتبرون أعضاء ينشطون تحت لواء الاتحاد العام للعمال الجزائريين.

لهاذا يجد هؤلاء العمال أنفسهم في وضع معقد، فهم منتمون إلى نقابة يفترض أن تدافع عنهم، لكنهم يشتكون من صمتها أو رفضها حمل ملفهم؛ وفي المقابل، لا تستطيع النقابات المستقلة أن تتحرك باسمهم بشكل كامل لأنها لا تملك الصفة التنظيمية المباشرة لتمثيلهم.

هذه الوضعية تطرح سؤالاً جوهرياً على الاتحاد الدولي للنقابات نفسه: إلى أي مدى يمكن الاستمرار في التعامل مع النقابات الرسمية وحدها ويستمر في تهميش النقابات المستقلة خصوصا عندما تثبت أنها أكثر قدرة على توثيق الانتهاكات، حتى تلك التي تطال عمالاً ونقابيين من داخل الاتحاد العام للعمال الجزائريين؟

الإعلام الجزائري الرسمي ينتقي ما يريد: المغرب في الواجهة والجزائر خارج الصورة

اللافت أيضاً أن التلفزيون الجزائري تناول تقرير الاتحاد الدولي للنقابات من زاوية واحدة تقريباً، مركزاً على ما ورد فيه بشأن الانتهاكات النقابية في المغرب، بينما تجاهل ما أثاره التقرير نفسه حول الجزائر، وخاصة قضية علي معمري.

هذا النوع من التغطية الانتقائية لا يخدم الحقيقة ولا الرأي العام. فمن غير الجاد التعامل مع تقرير دولي باعتباره مرجعاً عندما ينتقد دولة أخرى، ثم تجاهل مضمونه عندما يتعلق الأمر بالانتهاكات داخل الجزائر.

تغطية التلفزيون الجزائري الرسمي لتقرير الإتحاد الدولي للنقابات فقط من الجانب المغربي

إن تقرير الاتحاد الدولي للنقابات لسنة 2026 لا يقدم صورة كاملة عن الوضع النقابي في الجزائر، لكنه يفتح نافذة مهمة. فقد اعترف بقضية علي معمري كواحدة من علامات القمع النقابي، وأكد بصورة غير مباشرة أن المعلومات القادمة من النقابات المستقلة لا يمكن تجاهلها. غير أن التحدي لا يزال قائماً: كيف يمكن ضمان أن تصل كل الانتهاكات، بما فيها تلك التي يتم التكتم عليها داخل النقابات الرسمية، إلى الهيئات الدولية ؟

فالحقوق النقابية لا تُحمى بالانتقاء، ولا بالدعاية، ولا باحتكار التمثيل، بل تُحمى عندما تُقال الحقيقة كاملة، وعندما يُسمح للضحايا بأن يصل صوتهم إلى العالم، أياً كانت النقابة التي ينتمون إليها.

يمكنكم تحميل تقرير الإتحاد الدولي للنقابات بالضغط من هنا

مشاركة رئيس الكنفدرالية النقابية للقوى المنتجة الأخ رؤوف في حصة حقوق وحريات على قناة شمال إفريقيا للحديث حول التقرير ومشاركة النقابات المستقلة بالمؤتمر الدولي للعمل في جنيف لسنة 2026

📬 هل أعجبك هذا المقال؟ اشترك في نشرتنا البريدية لتصلك آخر الأخبار والبيانات الهامة مباشرة إلى بريدك.

رد واحد

  1. شكرا لكم على كل المجهودات التي تقومون بها، في دفاعكم عن الحريات النقابية وحق الجزائري في الحماية النقابية والعيش بكرامة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *